وعما ذكروه على الوجه الأول من المعقول إنما يصح أن لو كان ذلك
ممكنا في جميع الأحكام ، وليس كذلك ، فان الاجتهاد بالقياس يستدعي أصلا ثابتا
لا بالاجتهاد ، قطعا للتسلسل .
قولهم : إنه قد اختص بمنصب الرسالة ، فلا يكون أحد أفضل منه
قلنا : وإن كان كذلك ، غير أن زيادة الثواب بزيادة المشقة نوع فضيلة ،
فيبعد اختصاص أحد من أمته بفضيلة لا تكون موجودة في حق النبي عليه السلام ،
وإلا كان أفضل منه من تلك الجهة ، وهو بعيد .
وعما ذكروه على الثاني من المعقول أنه باطل باجتهاد أهل عصره ، فإنه كان
واقعا ، بدليل تقريره لمعاذ على قوله أجتهد رأيي ولم يكن احتمال معرفة الحكم
بورود الوحي إلى النبي عليه السلام ، مانعا من الاجتهاد في حقه ، وإنما المانع وجود
النص ، لاحتمال وجوده .
وعن المعارضة بالآية الأولى أنها إنما تتناول ما ينطق به ، واجتهاده من فعله
لا من نطقه ، والخلاف إنما هو في الاجتهاد لا في النطق .
فإن قيل فإذا اجتهد فلا بد وأن ينطق بحكم اجتهاده والاخبار عما ظنه من الحكم ،
فتكون الآية متناولة له ومن المعلوم أن ما ينطق به إذا كان مستنده الاجتهاد ،
فليس عن وحي ، وإن لم يكن عن هوى .
قلنا : إذا كان متعبدا بالاجتهاد من قبل الشارع ، وقيل له : مهما ظننت
باجتهادك حكما ، فهو حكم الشرع ، فنطقه بذلك يكون عن وحي لا عن هوى .
الاحكام — صفحة 172
مساهمون: الآمدي
ص١٧٢