وأمّا الاستناد إلى الأصل والسيرة وغيرهما ممّا تمسّك بها في « الجواهر » فموردها فرض الاضطرار ، وإلّا فلا شكّ في قبحه عقلًا ، والذلّ في السؤال موجود دائماً - بل الاستيهاب - إلّافي موارد نادرة ، والبيتان المعروفان لسائل سأل الحسن بن عليّ عليهما السلام وجوابه عليه السلام شاهدان على المقصود ؛ قال السائل :
لم يبقَ لي شيء يباع بدرهم * يكفيك منظر حالتي عن مخبري
إلّا بقايا ماء وجه صنته * ألّا يباع وقد وجدتك مشتري
فأجابه الإمام عليه السلام مع إهداء هدية بالغة القيمة بقوله :
« فخذ القليل وكن كأنّك لم تبع * ما صنته وكأنّنا لم نشترِ » « 1 »
إنّما الكلام في أنّه لو كان الأب قادراً على سؤال الناس ؛ والاستيهاب من هذا وذاك ، هل يجب عليه ؛ ويكون به غنيّاً ، ويسقط تكليف الابن بنفقته ، أم لا ؟
لا ينبغي الشكّ في أنّ هذا الغنى يحصل بسبب هتك عِرضه ، والواجب على الابن صون عرض أبيه بالإنفاق عليه بلا إشكال ، ولو لم يفعل لذمّه جميع الناس .
أمّا الرابع ، أي من كان قادراً على تعلّم صنعة ، ولم يتعلّمها ، فهو أيضاً خارج عن منصرف الأخبار ، والأصل عدم الوجوب هنا ، فمن كان له ولد سويّ قويّ يقدر على تعلّم صنعة تكفي مؤونته ، ولكن يجلس في البيت ويلقي كَلّه « 2 » على أبيه ، لا يجب على أبيه نفقته ، وهو داخل في الحديث المعروف :
« ملعون ملعون من ألقى كَلّهعلى الناس » « 3 » .
وأمّا الخامس ، وهومنكان قادراً على عمل يشقّ عليه جدّاً ، أو لا يليق بحاله فهو داخل في عنوان « الفقير » لنفي العسر والحرج الحاصلين للبدن أو العِرض .
وأمّا السادس ، أي القادر على ما يليق به ، ولكن يتركه طلباً للراحة ، فلا فرق بينه
هامش
( 1 ) . إحقاق الحقّ 19 : 356 .
( 2 ) . أي ثقله .
( 3 ) . وسائل الشيعة 21 : 543 ، كتاب النكاح ، أبواب النفقات ، الباب 21 ، الحديث 5 .