الإطلاق بلا عوض . وقوله : هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ « صاد : 39 » أي أنفقه . وقوله : وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ « المدثر : 6 » فقد قيل : هو المنة بالقول ، وذلك أن يمتن به ويستكثره ، وقيل معناه : لا تعط مبتغياً به أكثر منه . وقوله : لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ « الانشقاق : 25 » قيل : غير معدود كما قال : بِغَيْرِ حِسابٍ « الزمر : 10 » . وقيل : غير مقطوع ولا منقوص . ومنه قيل : المَنُون للمَنِيَّة ، لأنها تنقص العدد وتقطع المدد . وقيل : إن المنة التي بالقول هي من هذا ، لأنها تقطع النعمة وتقتضي قطع الشكر .
وأما المنُّ في قوله : وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى « البقرة : 57 » فقد قيل : المن شئ كالطل فيه حلاوة يسقط على الشجر ، والسلوى طائر . وقيل : المن والسلوى كلاهما إشارة إلى ما أنعم الله به عليهم ، وهما بالذات شئ واحد لكن سماه مناً بحيث إنه امتن به عليهم ، وسماه سلوى من حيث إنه كان لهم به التسلي .
ومَنْ : عبارة عن الناطقين ، ولا يعبر به عن غير الناطقين إلا إذا جمع بينهم وبين غيرهم ، كقولك : رأيت مَنْ في الدار من الناس والبهائم ، أو يكون تفصيلاً لجملة يدخل فيهم الناطقون كقوله تعالى : فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي . . الآية « النور : 45 » .
ولا يعبر به عن غير الناطقين إذا انفرد ، ولهذا قال بعض المحدثين في صفة أغتام نفى عنهم الإنسانية : تخطئ إذا جئت في استفهامه بمن تنبيهاً [ على ] أنهم حيوان أو دون الحيوان . ويعبر به عن الواحد والجمع والمذكر والمؤنث قال تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ « الأنعام : 25 » وفي أخرى : مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ « يونس : 42 » وقال : وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً « الأحزاب : 31 » .
ومِنْ : لابتداء الغاية وللتبعيض وللتبيين ، وتكون لاستغراق الجنس في النفي والاستفهام ، نحو : فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ « الحاقة : 47 » وللبدل نحو : خذ هذا من ذلك . أي بدله ، قال تعالى : رَبَّنا إني أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ « إبراهيم : 37 » من اقتضى التبعيض ، فإنه كان نزل فيه بعض ذريته . وقوله : مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ « النور : 43 » قال : تقديره أنه ينزل من السماء جبالاً ، فمن الأولى ظرف ، والثانية في موضع المفعول . والثالثة للتبيين كقولك : عنده جبال من مال . وقيل : يحتمل أن يكون قوله : من جبال نصباً على الظرف على أنه ينزل منه ، وقوله : مِنْ بَرَدٍ نصب ، أي ينزل من السماء من جبال فيها ، برداً . وقيل : يصح أن يكون موضع من في قوله : مِنْ بَرَدٍ رفعاً ، ومِنْ جِبالٍ نصباً على أنه مفعول به كأنه في التقدير : وينزل من السماء جبالاً فيها برد ، ويكون الجبال على هذا تعظيماً وتكثيراً لما نزل من السماء .
وقوله تعالى : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ « المائدة : 4 » قال أبو الحسن : من زائدة ، والصحيح أن تلك ليست بزائدة ، لأن بعض ما يمسكن لا يجوز أكله ، كالدم والغدد ، وما فيها من القاذورات المنهي عن تناولها .
. ملاحظات .
1 . نهى الله تعالى عن المنِّ على الذين نعطيهم ، فمعنى قوله تعالى : لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ : أجرٌ لا مِنَّةَ فيه . وهو يشير إلى أنه غير منقوص ولا مقطوع .
2 . المعروف أن الموت سمي المنية والمنون من المنِّ ، لأن المنَّ نقصٌ ، والموت نقصُ العمر . وشذَّ الراغب فجعله من المنيّ ، كما يأتي في مادته . قال الخليل « 8 / 375 » : « المنون : الموت وهو مؤنث لأنها تمنُّ الأشياء ، أي تُنقصها » .
لكن المرجح عندنا أن تسمية الموت بالمنية من المنى من باب التفاؤل ، تفاؤلاً ببلوغ الميت منيته كما تفاءلوا بالصحراء المهلكة فسموها المفازة ، والذاهب فيها فائزاً . قال