وقوله : وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ « البقرة : 53 » فقد قيل : هما عبارتان عن التوراة ، وتسميتها كتاباً اعتباراً بما أثبت فيها من الأحكام ، وتسميتها فرقاناً اعتباراً بما فيها من الفرق بين الحق والباطل .
وقوله : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ الله كِتاباً مُؤَجَّلًا « آل عمران : 145 » أي حكماً . لَوْلا كِتابٌ مِنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ « الأنفال : 68 » وقوله : إن عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ الله اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ الله « التوبة : 36 » كل ذلك حكم منه .
وأما قوله : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ « البقرة : 79 » فتنبيهٌ [ على ] أنهم يختلقونه ويفتعلونه ، وكما نسب الكتاب المختلق إلى أيديهم نسب المقال المختلق إلى أفواههم ، فقال : ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ « التوبة : 30 » .
والاكْتِتَابُ : متعارفٌ في المختلق نحو قوله : أَساطِيرُ الأولينَ اكْتَتَبَها « الفرقان : 5 » .
وحيثما ذكر الله تعالى أهل الكتاب فإنما أراد بالكتاب التوراة والإنجيل ، أو إياهما جميعاً ، وقوله : وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى إلى قوله : وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ « يونس : 37 » فإنما أراد بالكتاب هاهنا ما تقدم من كتب الله دون القرآن ، ألا ترى أنه جعل القرآن مصدقاً له .
وقوله : وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا « الأنعام : 114 » فمنهم من قال هو القرآن ، ومنهم من قال : هو القرآن وغيره من الحجج والعلم والعقل . وكذلك قوله : فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ « العنكبوت : 47 » وقوله : قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ « النمل : 40 » فقد قيل : أريد به علم الكتاب ، وقيل علم من العلوم التي آتاها الله سليمان في كتابه المخصوص به ، وبه سخر له كل شئ .
وقوله : وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كلهِ « آل عمران : 119 » أي بِالْكُتُبِ المنزلة ، فوضع ذلك موضع الجمع إما لكونه جنساً كقولك : كثر الدرهم في أيدي الناس ، أو لكونه في الأصل مصدراً نحو عدل ، وذلك كقوله : يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ « البقرة : 4 » وقيل : يعني إنهم ليسوا كمن قيل فيهم : وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ « النساء : 150 » .
وكِتابَةُ العَبْدِ : ابتياع نفسه من سيده بما يؤديه من كسبه ، قال : وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ .
« النور : 33 » واشتقاقها يصح أن يكون من الكتابة التي هي الإيجاب ، وأن يكون من الكَتْب الذي هو النظم ، والإنسان يفعل ذلك .
. ملاحظات .
1 . أجاد الراغب في تفسىر بعض مفردات كَتَبَ ، ووقع في إشكالات في بعضها الآخر . وقد جعل أصل الكتْب ضم أديم إلى أديم بالخياطة ، وقال الخليل « 5 / 341 » : إنه خرز الشئ بسِير ، وقال ابن فارس « 5 / 158 » : « جمع شئ إلى شئ »
والذي نراه أن الكتابة أصلٌ مستقلٌّ بمعناها المعروف ، كما قال الجوهري « 1 / 208 » ولم يستعيروها من كَتْب الخرَز ، ولا من غيره ، بل كانت معروفة عند الشعوب والعرب ، بل يصح القول إن كَتْبَ الخرز وشبهه مأخوذ منها .
2 . استدل الراغب على أن أصل الكتابة الخرز بأن كلام الله سمي كتاباً وإن لم يُكْتَبْ كِتَاباً كقوله : ألم ذلِكَ الْكِتابُ وقوله : قالَ إني عَبْدُ الله آتانِيَ الْكِتابَ ، ففسر الكتاب في الآيتين بكلام الله غير المكتبوب ، وهو خروج عن ظاهر اللفظ بلا دليل . نعم كتب في مثل قوله تعالى : كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ، وقوله : قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللهُ لَنا ، قد يقصد بها الحكم والقضاء وإن لم يكن مكتوباً .
3 . جعل الراغب الكتاب بمعنى الحجة من الله في قوله تعالى : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً