الصدفة بمعناها العلمي لا الفلسفي :
فالصدفة بمعناها الفلسفي عبارة عن وجود المعلول بلا علّة ، وهذا محال فلسفيّاً .
أمّا الصدفة بمعناها العلمي فهي اجتماع معلولين لعلّتين مختلفتين صدفةً وبلا علاقة لزوميّة . كما لو سافر شخصٌ لعلّة ، وسافر آخر لعلّة أخرى ؛ فإنّ سفر كلٍّ منهما معلولٌ لعلّة ، فلا يكون صدفةً بالمعنى الفلسفي ، ولكنّ اجتماعهما ليس ناتجاً عن علاقة لزوميّة ؛ إذ ليس سفر هذا علّة لسفر ذاك ولا معلولًا له . وبما أنّ هذه الصدفة تقع في عالم الخارج ولا تمتنع ، فإنّه يمكن استحضارها إلى بحث السببيّة والعلّيّة الذي تقوم عليه القضايا الثلاث المتقدّمة : التجربيّات والحدسيّات والمتواترات :
1 - التجربيّات : ولنأخذ مثالًا : التجربيّات :
فلو تناولنا حبّة أسبرين فزال الصداع ، وكرّرنا هذه المحاولة للمرّة الثانية والثالثة ، وفي كلّ مرّة كان الصداع يزول لدى تناول الأسبرين ، فهنا لدينا ظاهرتان : إحداهما : تناول الأسبرين ، والثانية : زوال الصداع ، واقتران هاتين الظاهرتين مردُّه إلى أحد أمرين :
فإمّا أن يكون زوال الصداع وصحّة المزاج معلولًا لتناول الأسبرين .
وإمّا أن تكون هناك علّة أخرى غير تناول الأسبرين تقف وراء زوال الصداع ، ولنفترض مثلًا أنّها حركةٌ خاصّة في الدم اتّفق وقوعها صدفةً مع تناول الأسبرين ، وكانت هي العلّة الحقيقيّة وراء زوال الصداع .
وهذا الاحتمال غير ممتنع ؛ لأنّ غاية ما يتطلّبه هو فرض اجتماع تناول الأسبرين مع حركة الدم الخاصّة صدفةً ، وهذا لا يمنعه العقل ؛ إذ كما لا يمنع
محاضرات تأسيسية ( تراث الشهيد الصدر ج 21 ) — صفحة 92
مساهمون: السيد محمد باقر الصدر
ص٩٢