ويختلف هذا الافتراض عن الافتراض السابق في أنّه لا يأتي عليه الإشكال الأوّل الذي كان يأتي على الفرض الأوّل ، لكنّه ما زال يواجه الإشكال الثاني ؛ لأنّ جملةً من الأشياء التي تُنقل بالبيع لا تُملك بالحيازة ، كالعمل والكلّي في الذمّة ، وبهذا يكون هذا الافتراض مخالفاً للارتكاز العقلائي .
3 - رجوع مفهوم البيع إلى استئمان الماليّة والتمليك المجّاني للخصوصيّة :
الافتراض الثالث : ما ذكره المحقّق الإيرواني رحمه الله « 1 » ، وهو عبارة عن استئمان الماليّة والتمليك المجّاني للخصوصيّة ؛ ذلك أنّ البائع في المقام يلحظ التحفّظ على ماليّة مبيعه دون أن يكون له شغلٌ بماهيّة الثمن بما هو ثمن ؛ فالمبيع ينحلّ بحسب الحقيقة إلى أمرين : ماليّة ، وخصوصيّة كونه ماءً مثلًا ؛ فالبائع لا يهتمّ بخصوصيّة كون المبيع ماءً ؛ لأنّه ليس عطشاناً ، بينما المشتري هو العطشان ؛ لذا يكون مستعدّاً لهبة هذه الخصوصيّة له ، لكنّه يهتمّ بأصل الماليّة ، فيريد حفظها ضمن الثمن ؛ لأنّه ينظر إلى الثمن بما هو صرف الماليّة .
وعليه : فكأنّ البائع أعطى الماليّة إلى الآخر بوصفها ماليّةً محفوظةً ضمن الثمن ، فيسترجع ماليّة المبيع بأخذه الثمن على أساس تمثيل الأخير لصرف الماليّة . أمّا خصوصيّة المبيع ، فيبذلها مجّاناً للمشتري .
وبهذا يأتلف البيع من تحفّظٍ على أصل الماليّة ضمن الثمن ، وبذلٍ مجّاني للخصوصيّة .
إلّاأنّ هذا الافتراض مخالفٌ للارتكاز العقلائيّ أيضاً ؛ لعدّة وجوه :
منها : أنّ هذه الماليّة التي قصد أنّ البائع حفظها كيف فُرض صيرورتها
هامش
( 1 ) حاشية كتاب المكاسب ( الإيرواني ) 2 : 15