نكتة سراية الإشراط من المنبّه الطبيعي إلى منبّه آخر « 1 » .
وكان بافلوف - الذي أجرى تجاربه على كلبه - يلاحظ سيلان لعاب الكلب عند تقديم الطعام إليه ووضعِه بين يديه ، فكانت رؤية الكلب للطعام منبّهاً طبيعيّاً يستدعي استجابة طبيعيّة ، وهي سيلان اللعاب . ولدينا إلى هنا منبّه طبيعي واستجابة طبيعيّة ، وهذا ما يعرفه كلّ الناس .
إلّاأنّ ما قام به بافلوف هو أنّه قرن مع تقديم الطعام للكلب أشياء أخرى بنحو الشرط المقارن أو المتقدّم ، فكان يضغط على الجرس ثمّ يقدّم للكلب الطعام ، وأجرى هذه التجربة مدّة من الزمن على هذا المنوال . وبعد هذا وجد أنّه بمجرّد أن يضغط على الجرس يسيل لعاب الكلب حتّى لو لم يقدّم له الطعام .
ويكون بذلك قد تمكّن من إضافة منبّه جديد - دون إلغاء المنبّه الطبيعي - تمّ الحصول عليه بالعناية ، وأطلق عليه اسم ( المنبّه الشرطي ) ، وصار هذا المنبّه الشرطي كالمنبّه الطبيعي سبباً في سيلان لعاب الكلب « 2 » .
إنّ هذه التجربة العلميّة اللطيفة التي قام بها بافلوف تحوّلت إلى نذير شؤم على العلم وعلى الإنسان ؛ لأنّها دعت شياطين العلم إلى توهّم إمكان تفسير تمام إدراكات الإنسان وتصوّراته - مهما وصلت إلى أعلى مستويات الفنّ أو الفلسفة أو الأدب - على أساس أنّها استجابات لمنبّهات معيّنة ، والذي كان يحول دون
هامش
( 1 ) هذا هو المعروف ، ولكنّ التحقيق أنّ فكرة الإشراط والاقتران موجودةٌ بجذورها وبوضوح شديد لدى علمائنا الأقدمين ، مثل ابن سينا ( ت 428 ه ) ( الشفاء ، الطبيعيّات ، النفس 2 : 163 - 164 ؛ التعليقات : 161 - 162 ) ، وتلميذه بهمنيار ( ت 458 ه ) ( التحصيل : 802 ) ، وأبي بكر ابن طفيل ( ت 581 ه ) ( حيّ بن يقظان : 92 ) ، والرضي الإسترآبادي ( شرح الكافية 3 : 118 - 119 ؛ شرح الشافية 2 : 216 - 217 ) . نعم ، كان بافلوف أوّل من قعّدها في قالب علمي تجريبي
( 2 ) لمزيد من الاطّلاع راجع : نظريّات التعلّم . . دراسة مقارنة 1 : 85 - 90