ولقائل أن يقول : لا نسلم تأخر البيان عن هذه الآية ، بل هو مقترن بها .
ودليله قول الملائكة في تعليل الهلاك ، إن أهلها كانوا ظالمين ، وذلك لا يدخل
فيها إلا من كان ظالما
كيف وإنه لم يتخلل بين قول الملائكة غير سؤال إبراهيم ، وهو قوله : * ( إن فيها
لوطا ) * ( 29 ) العنكبوت : 32 ) وما مثل هذا لا يعد تأخيرا للبيان ، فإن مثل ذلك قد يجري إما بسبب
انقطاع نفسه أو سعال فيما بين البيان والمبين ، ولا يعد ذلك من المبين تأخيرا .
ومبادرة إبراهيم إلى السؤال ، ومنعهم ( 1 ) من اقتران البيان بالمبين نازل منزلة
انقطاع النفس والسعال ، حتى أنه لو لم يبادر بالسؤال ، لبادروا بالبيان .
الحجة السابعة : أن النبي ( ص ) ، أنفذ معاذا إلى اليمن ليعلمهم الزكاة وغيرها
فسألوه عن الوقص ، فقال : ما سمعت فيه شيئا من رسول الله ( ص ) ، حتى أرجع
إليه فاسأله ( 2 ) وذلك دليل على أن بيانه لم يتقدم .
ولقائل أن يقول كون معاذ لم يسمع البيان ولم يعرفه لا يدل على عدم مقارنة البيان
للمبين ، كيف ويمكن أن يقال الأصل عدم وجوب الزكاة في الأوقاص وغيرها .
غير أن الشارع أوجب فيما أوجب ، وبقي الباقي على حكم العقل ، وذلك صالح
للبيان والتخصيص . هذا ما يتعلق بالمنقول ، وأما الحجج العقلية .
فأولها : أنه لو كان تأخير البيان ممتنعا ، فإما أن يكون امتناعه لذاته ، أو لغيره ، وذلك
إما أن يعرف بضرورة العقل أو نظره ، وكل واحد من الامرين منتف ، فلا امتناع .
ولقائل أن يقول : ولو كان جائزا ، فإما أن يعرف بضرورة العقل أو نظره
وكل واحد من الامرين منتف ، فلا جواز ، وليس أحد الامرين أولى من الآخر
وكل ما هو جواب له ها هنا فهو جوابه فيما ذكر .
الحجة الثانية : أنه لو امتنع تأخير البيان ، لامتنع تأخيره في الزمن القصير وامتنع
عطف الجمل المتعددة إذا كان بيان الأولى متأخرا عن الجمل المعطوف عليها ، ولما
جاز البيان بالكلام الطويل ، واللازم ممتنع .
هامش
1 - ومنعهم من إضافة المصدر للمفعول والمعنى ومنع إبراهيم إياهم .
2 - حديث معاذ روى مني رق لم تخل من مقال فارجع إلى تخليص الحبير لتعرف
طرق الحديث وما كل منها من المقال .