تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاحكام — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
قلنا : متى ، إذا كان الفعل المأمور به مبينا ، أو إذا لم يكن مبينا ؟ الأول مسلم والثاني ممنوع . وإن سلمنا ذلك ، لكن لا نسلم أن الحاجة داعية إلى معرفته مع قطع النظر عن وجوبه وعدم المؤاخذة بتركه ، بدليل ما قبل الامر . وأيضا فإنه لما نزل قوله تعالى : * ( أقيموا الصلاة ) * مع أنه لم يرد بها مطلق الدعاء إجماعا لم يقترن بها الدعاء اجماعا لم يقترن بها البيان ، بل أخر بيان أفعال الصلاة وأوقاتها إلى أن بين ذلك جبريل للنبي ( ص ) ، بعد ذلك ، وبين النبي ( ص ) ، ذلك لغيره بعد بيان جبريل له . وكذلك نزل قوله تعالى * ( وآتوا الزكاة ) * ( 2 ) البقرة : 43 ) مطلقا ، ثم بين النبي ( ص ) ، بعد ذلك مقدار الواجب وصفته في النقود والمواشي وغيرها من أموال الزكاة شيئا فشيئا . وكذلك نزل قوله تعالى : * ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) * ( 5 ) المائدة : 38 ) ثم بين بعد ذلك ما يجب القطع بسرقته في مقداره وصفته على التدريج . وكذلك نزل قوله تعالى : * ( وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ) * ( 9 ) التوبة : 41 ) ثم نزل تخصيصه بقوله تعالى : * ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ) * ( 9 ) التوبة : 91 ) إلى غير ذلك من الأوامر العامة التي لم تبين تفاصيلها إلا بعد مدد . فإن قيل : المؤخر في جميع هذه الأوامر إنما هو البيان التفصيلي ، وليس فيها ما يدل على تأخير البيان الاجمالي . كيف وإن الامر إما أن يكون على الفور ، أو التراخي ، وتمام الاشكال ما سبق . قلنا : وجواب الاشكالين أيضا ما سبق . وأيضا فإن العمومات الواردة في البيع والنكاح والإرث وردت مطلقة ، والنبي ( ص ) ، بين بعد ذلك على التدريج ما يصح بيعه وما لا يصح ، ومن يحل نكاحها ومن لا يحل ، وصفات العقود وشروطها ، ومن يرث ومن لا يرث ، ومقادير المواريث شيئا فشيئا . ومن نظر في جميع عمومات القرآن والسنة وجدها كذلك . وأيضا فإنه لما نهى النبي ( ص ) ، عن المزابنة ، وشكا الأنصار إليه بعد ذلك ، رخص لهم في العرايا ، وهي نوع من المزابنة ، مع أنه لم ينقل أنه اقترن بنهيه عن ذلك بيان مجمل ولا مفصل ، وهو لا يخلو إما أن يكون ذلك نسخا أو تخصيصا وعلى كلا التقديرين فهو حجة على المخالف فيه .