تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاحكام — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
الثاني أن ( ما ) لو كانت مختصة بمن لا يعلم ، لما احتيج إلى قوله من دون الله وحيث كانت بعمومها متناولة لله تعالى احتاج إلى التقييد بقوله : من دون الله . قلنا : أما ما ذكروه من النصوص والاطلاقات فغايتها جواز إطلاق ( ما ) على من يعقل ويعلم ، ولا يلزم من ذلك أن تكون ظاهرة فيه ، بل هي ظاهرة فيمن لا يعقل . ودليل ذلك قول النبي ( ص ) ، لابن الزبعرى لما ذكر ما ذكر ( 1 ) رادا عليه بقوله : ما أجهلك بلغة قومك ، أما علمت أن ( ما ) لما لا يعقل و ( من ) لمن يعقل . ولا يخفى أن الجمع بين الامرين والتوفيق بين الأدلة أولى من تعطيل قول النبي ( ص ) والعمل بما ذكروه . وإذا كانت * ( ما ) * ظاهرة في من لا يعقل دون من يعقل ، وجب تنزيلها على ما هي ظاهرة فيه . وما ذكروه من الوجه الأول في المعنى فهو باطل بما ذكرناه من إنكار النبي ( ص ) ولا يخفى أن اتباع قول النبي أولى من اتباع ما ظنه ابن الزبعرى . وما ذكروه في الوجه الثاني من عدم الاحتياج إلى قوله * ( من دون الله ) * ( 2 ) البقرة : 23 ) إنما يصح أن لو لم يكن فيه فائدة ، وفائدته التأكيد ، وحمل الكلام على فائدة التأسيس ، وإن كان هو الأصل ، غير أنه يلزم من حمله على فائدة التأسيس مخالفة ظاهر قول النبي ( ص ) والجمع أولى من التعطيل . وإن سلمنا أن * ( ما ) * حقيقة في من يعقل ، غير أنا لا نسلم أن بيان التخصيص لم يكن مقارنا للآية . وبيان المقارنة أن دليل العقل صالح للتخصيص على ما سبق . والعقل قد دل على امتناع تعذيب أحد بجرم صادر من غيره ، اللهم إلا أن يكون راضيا بجرم ذلك الغير ، واحد من العقلاء لم يخطر بباله رضا الملائكة والمسيح بعبادة من عبد هم و * ( ما ) * مثل هذا الدليل العقلي ، فلا نسلم عدم مقارنته للآية . وأما نزول قوله تعالى : * ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ) * ( 21 ) الأنبياء : 101 ) الآية ، فإنما ورد تأكيدا بضم الدليل الشرعي ، إلى الدليل العقلي ، مع الاستغناء عن أصله ، أما أن يكون هو المستقل بالبيان ، فلا . الحجة السادسة : قول الملائكة لإبراهيم * ( إنا مهلكو أهل هذه القرية ، إن أهلها كانوا ظالمين ) * ( 29 ) العنكبوت : 31 ) ولم يبينوا إخراج لوط ومن معه من المؤمنين عن الهلاك بقولهم * ( نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله ) * ( 29 ) العنكبوت : 32 ) إلا بعد سؤال إبراهيم وقوله : * ( إن فيها لوطا ) * ( 29 ) العنكبوت : 32 )
هامش
1 - انظر التعليق ص 201 ج 2 .