وبتقدير أن يكون ما أمر به مرادا ، جاز أن يكون مرادا حالة الامر دون حالة النهي .
قولهم : المراد من نسخ الآية إزالتها عن اللوح المحفوظ ، ليس كذلك .
فإنه قال تعالى : * ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) * ( 2 ) البقرة : 106 )
والقرآن خير كله من غير تفاوت فيه ، فلو كان المراد من نسخ الآية إزالتها
عن اللوح المحفوظ وكتابة أخرى بدلها ، لما تحقق هذا الوصف ، وإنما يتحقق الخيرية
بالنسبة إلينا فيما يرجع إلى أحكام الآيات المرفوعة عنا والموضوعة علينا ، من حيث
إن البعض قد يكون أخف من البعض فيما يرجع إلى تحمل المشقة ، أو أن ثواب
البعض أجزل من ثواب البعض على اختلاف المذاهب ، فوجب حمل النسخ على
نسخ أحكام الآيات لا على ما ذكروه ( 1 ) .
وأما منع كون شريعة محمد ( ص ) ناسخة لشرع من تقدم فمخالف لاجماع السلف قاطبة .
والكلام في هذا المقام إنما هو مع منكر النسخ من الاسلاميين .
وما يذكرونه في تقدير ذلك فسيأتي الجواب عنه أيضا .
وأما ما ذكروه على باقي صور النسخ فهو أيضا خلاف إجماع السلف .
كيف وإن ما ذكروه من التخريج لا وجه له .
قولهم إن التوجه إلى بيت المقدس لم يزل بالكلية .
قلنا : لا خلاف أنه كان يجب التوجه إليه حالة عدم الاشكال والعذر ، وقد
زال ذلك بالكلية ، فكان نسخا .
قولهم إن وجوب تقديم الصدقة إنما زال لزوال سببه .
قلنا : الأصل بقاء السبب ، وما ذكروه من السبب يلزم منه أن كل من لم يتصدق
من الصحابة أن يكون منافقا ، ولم يتصدق أحد منهم سوى علي عليه السلام ، على
ما نقله الرواة ، وذلك ممتنع .
هامش
1 - انظر الكلام على هذه الآية في كتاب ، جواب أهل العلم والايمان في أن قل هو الله
أحد تعدل ثلث القرآن