وهذه الثنائية بين العبادة ونشاطات الحياة المختلفة تشلّ العبادة وتعطّل دورها التربويّ البنّاء في تطوير دوافع الإنسان وجعلها موضوعية ، وتمكينه من أن يتجاوز ذاته ومصالحه الضيّقة في مختلف مجالات العمل . والله سبحانه وتعالى لم يركّز على أن يُعبَد من أجل تكريس ذاته - وهو الغني عن عباده - لكي يكتفي منهم بعبادة من هذا القبيل ، ولم ينصب نفسه هدفاً وغايةً للمسيرة الإنسانية لكي يُطأطئ الإنسان رأسه بين يديه في مجال عبادته وكفى ، وإنّما أراد بهذه العبادة أن يبني الإنسان الصالح القادر على أن يتجاوز ذاته ويساهم في المسيرة بدور أكبر ، ولا يتمّ التحقيق الأمثل لذلك إلّا إذا امتدّت روح العبادة تدريجاً إلى نشاطات الحياة الأخرى ؛ لأنّ امتدادها يعني - كما عرفنا - امتداد الموضوعية في القصد والشعور الداخلي بالمسؤولية في التصرّف ، والقدرة على تجاوز الذات وانسجام الإنسان مع إطاره الكونيّ الشامل مع الأزل والأبد اللذَينِ يحيطان به .
ومن هنا جاءت الشريعة ووزّعت العبادات على مختلف حقول الحياة ، وحثّت على الممارسة العبادية في كلّ تصرّف صالح ، وأفهمت الإنسان بأنّ الفارق بين المسجد - الذي هو بيت الله - وبين بيت الإنسان ليس بنوعية البناء أو الشعار ، وإنّما استحقّ المسجد أن يكون بيت الله ؛ لأنّه الساحة التي يمارس عليها الإنسان عملا يتجاوز فيه ذاته ، ويقصد به هدفاً أكبر من منطق المنافع المادية المحدودة ، وأنّ هذه الساحة ينبغي أن تمتدّ وتشمل كلّ مسرح الحياة . وكلّ ساحة يعمل عليها الإنسان عملا يتجاوز فيه ذاته ويقصد به ربّه والناس أجمعين فهي تحمل روح المسجد .
وأمّا الاتّجاه الثاني الذي يحصر الحياة في إطار ضيّق من العبادة فقد حاول أن يحصر الإنسان في المسجد ، بدلا عن أن يمدّد معنى المسجد ليشمل كلّ
الفتاوى الواضحة وفقا لمذهب أهل البيت ( ع ) ( تراث الشهيد الصدر ج 16 ) — صفحة 773
مساهمون: السيد محمد باقر الصدر
ص٧٧٣