العبادة ، أي جملة من التفاصيل لا يمكن للإنسان الممارس للعبادة أن يعي سرّها ويفسّرها تفسيراً مادّياً محسوساً ، فلماذا صارت صلاة المغرب ثلاث ركعات وصلاة الظهر أكثر من ذلك ؟ ، ولماذا اشتملت كلّ ركعة على ركوع واحد لاركوعين ، وعلى سجدتين لا سجدة واحدة ؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي يمكن أن تُطرح من هذا القبيل .
ونسمّي هذا الجانب الذي لا يمكن تفسيره من العبادة بالجانب الغيبي منها . ونحن نجد هذا الجانب بشكل وآخر في أكثر العبادات التي جاءت بها الشريعة ، ومن هنا يمكن اعتبار الغيبية بالمعنى الذي ذكرناه ظاهرةً عامّةً في العبادات ومن ملامحها المشتركة .
وهذه الغيبية مرتبطة بالعبادات ودورها المفروض ارتباطاً عضوياً ؛ ذلك لأنّ دور العبادات - كما عرفنا سابقاً - هو تأكيد الإيمان والارتباط بالمطلق وترسيخه عملياً .
وكلّما كان عنصر الانقياد والاستسلام في العبادة أكبر كان أثرها في تعميق الربط بين العابد وربّه أقوى ، فإذا كان العمل الذي يمارسه العابد مفهوماً بكلّ أبعاده ، واضح الحكمة والمصلحة في كلّ تفاصيله تضاءل فيه عنصر الاستسلام والانقياد ، وطغت عليه دوافع المصلحة والمنفعة ، ولم يعدْ عبادةً لله بقدر ما هو عمل نافع يمارسه العابد لكي ينتفع به ويستفيد من آثاره .
فكما تُنمّي وترسّخ روح الطاعة والارتباط في نفس الجنديّ خلال التدريب العسكري ؛ بتوجيه أوامر اليه وتكليفه بأن يمتثلها تعبّداً وبدون مناقشة كذلك يُنَمّي ويرسّخ شعور الإنسان العابد بالارتباط بربّه بتكليفه بأن يمارس هذه العبادات بجوانبها الغيبية انقياداً واستسلاماً .
فالانقياد والاستسلام يتطلّب افتراض جانب غيبي ، ومحاولة التساؤل عن
الفتاوى الواضحة وفقا لمذهب أهل البيت ( ع ) ( تراث الشهيد الصدر ج 16 ) — صفحة 770
مساهمون: السيد محمد باقر الصدر
ص٧٧٠