تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الواضحة وفقا لمذهب أهل البيت ( ع ) ( تراث الشهيد الصدر ج 16 ) — صفحة 753

مساهمون:

ص٧٥٣
استطعنا أن نحصل - من خلال كثير من تلك الصيغ اليومية المتنوّعة - على مشكلة رئيسية ثابتة ذاتِ حدّين أو قطبين متقابلين يعاني الإنسان منهما في تحرّكه الحضاريّ على مرّ التأريخ ، وهي من زاوية تعبّر عن مشكلة الضياع واللاانتماء ، وهذا يمثل الجانب السلبي من المشكلة . ومن زاوية أخرى تعبّر عن مشكلة الغلوّ في الانتماء والانتساب ؛ بتحويل الحقائق النسبية التي ينتمي إليها إلى مطلق ، وهذا يمثّل الجانب الإيجابي من المشكلة . وقد أطلقت الشريعة الخاتمة على المشكلة الأولى اسم « الإلحاد » باعتباره المثل الواضح لها ، وعلى المشكلة الثانية اسم « الوثنية والشرك » باعتباره المثل الواضح لها أيضاً . ونضال الإسلام المستمرّ ضدّ الإلحاد والشرك هو في حقيقته الحضارية نضال ضدّ المشكلتين بكامل بعديهما التأريخيّين . وتلتقي المشكلتان في نقطة واحدة أساسية ، وهي : إعاقة حركة الإنسان في تطوّره عن الاستمرار الخلّاق المبدع الصالح ، لأنّ مشكلة الضياع تعني بالنسبة إلى الإنسان أنّه صيرورة مستمرّة تائهة لا تنتمي إلى مطلق يسند إليه الإنسان نفسه في مسيرته الشاقّة الطويلة المدى ، ويستمدّ من إطلاقه وشموله العون والمدّ والرؤية الواضحة للهدف ، ويربط من خلال ذلك المطلق حركته بالكون ، بالوجود كلّه ، بالأزل والأبد ، ويحدّد موقعه منه ، وعلاقته بالإطار الكوني الشامل . فالتحرّك الضائع بدون مطلق تحرّك عشوائي كريشة في مهبّ الريح ، تنفعل بالعوامل من حولها ولا تؤثّر فيها . وما من إبداع وعطاء في مسيرة الإنسان الكبرى على مرّ التاريخ إلّا وهو مرتبط بالاستناد إلى مطلق والالتحام معه في سير هادف . غير أنّ هذا الارتباط نفسه يواجه من ناحية أخرى الجانب الآخر من المشكلة ، أي مشكلة الغلوّ في الانتماء بتحويل النسبي إلى مطلق ، وهي مشكلة
الفتاوى الواضحة وفقا لمذهب أهل البيت ( ع ) ( تراث الشهيد الصدر ج 16 ) — صفحة 753 | السيد محمد باقر الصدر