على ملايين الأعواد والمخروطات ، قد رتّبت جميعاً في تسلسل يتوافق مع أداء مهمّة الإبصار ، من حيث علاقات بعضها بالبعض الآخر وعلاقاتها جميعاً بالعدسة ، إذا استثنينا شيئاً واحداً وهو : أنّ الصورة تنعكس عليها مقلوبة ، غير أنّه استثناء مؤقّت ؛ فإنّ الإبصار لم يربط بهذه المرحلة لكي نحسّ بالأشياء وهي مقلوبة ، بل أعيد تنظيم الصورة في ملايين أخرى من خويطات الأعصاب المؤدّية إلى المخّ حتّى أخذت وضعها الطبيعي ، وعند ذلك فقط تتمّ عملية الإبصار ، وتكون عندئذ متوافقةً بصورة كاملة مع تيسير الحياة .
حتّى الجمال والعطر والبهاء كظواهر طبيعية نجد أنّها تتواجد في المواطن التي يتوافق تواجدها فيها مع مهمّة تيسير الحياة ويؤدّي دوراً في ذلك ، فالأزهار التي ترك تلقيحها للحشرات لوحظ أنّها قد زوّدت بعناصر الجمال والجذب من اللون الزاهي والعطر المغري بنحو يتّفق مع جذب الحشرة إلى الزهرة وتيسير عملية التلقيح ، بينما لا تتمّيز الأزهار التي يحمل الهواء لقاحها عادةً بعناصر الإغراء . وظاهرة الزوجية على العموم والتطابق الكامل بين التركيب الفسلجي للذكر والتركيب الفسلجي لُانثاه في الإنسان وأقسام الحيوان والنبات على النحو الذي يضمن التفاعل واستمرار الحياة ، مظهر كوني آخر للتوافق بين الطبيعة ومهمّة تيسير الحياة
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
« 1 » . هذه هي الخطوة الأولى .
الخطوة الثانية :
نجد أنّ هذا التوافق المستمرّ بين الظاهرة الطبيعية ومهمّة ضمان الحياة وتيسيرها في ملايين الحالات يمكن أن يفسّر في جميع هذه المواقع بفرضية
هامش
( 1 ) النحل : 18 .