تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الواضحة وفقا لمذهب أهل البيت ( ع ) ( تراث الشهيد الصدر ج 16 ) — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
وعلى هذا الأساس لو قلت : الله موجود ، لكان بمثابة أن تقول : ديز موجود ، فكما لا معنى لهذه الجملة كذلك تلك ؛ لأنّ وجود الله تعالى لا يمكن التعرّف عليه بالحسّ والتجربة . وتواجه هذه النزعة المنطقية تناقضاً أيضاً ؛ بسبب أنّ قولها هذا وما فيه من تعميم هو نفسه شيء لا يمكن التعرّف عليه بالحسّ والمباشرة ، فهو كلام فارغ من المعنى بحكم ما يحمل من قرار ، فهذه النزعة المنطقية التي تدّعي أنّ كلّ جملة لا يتاح للحسّ والتجربة اختبار مدلولها فهي فارغة من المعنى تصدر بهذا الادّعاء تعميماً ، وكلّ تعميم فهو يتجاوز نطاق الحسّ ؛ لأنّ الحسّ لا يقع إلّا على حالات جزئية محدودة ، وهكذا تنتهي هذه النزعة إلى تناقض مع نفسها إضافةً إلى تناقضها مع كلّ التعميمات العلمية التي يفسّر بها العلماء ظواهر الكون تفسيراً شاملا ؛ لأنّ التعميم - أيّ تعميم - لا يمكن الإحساس به مباشرةً ، وإنّما يستنتج ويستدّل عليه بدلالة ظواهر حسّية محدودة « 1 » . ومن حسن الحظّ أنّ العلم لم يعبأ في مسيرته وتطوّره المستمرّ بهذه النزعات ، فكان يمارس عمله الاكتشافي للكون دائماً مبتدئاً بالحسّ والتجربة ، ومتجاوزاً بعد ذلك الحدود الضيّقة التي فرضتها تلك النزعات الفلسفية والمنطقية ؛ ليبذل جهداً عقلياً في تنسيق الظواهر ووضعها في اطر قانونية عامّة ، والتعرّف على ما بينها من روابط وعلاقات . وقد تضاءل النفوذ الفلسفي والمنطقي لهذه النزعات المتطرّفة حتّى على صعيد المذاهب الفلسفية المادية ، فالفلسفة المادية الحديثة - التي يمثّلها بصورة
هامش
( 1 ) إذا أريد التوسّع في استعراض موقف المنطق الوضعي ونقده فليراجع كتابنا الأسس المنطقية للاستقراء .
الفتاوى الواضحة وفقا لمذهب أهل البيت ( ع ) ( تراث الشهيد الصدر ج 16 ) — صفحة 28 | السيد محمد باقر الصدر