المعطيات للخروج بتفسير عامّ مقبول .
ولم يكن الاتّجاه الحسّي في واقعه العلمي وممارسات العلماء له يعني الاستغناء عن العقل . ولم يستطع أيّ عالم من علماء الطبيعة أن يكتشف سرّاً من أسرار الكون ، أو قانوناً من قوانين الطبيعة عن طريق الحسّ والتجربة إلّا بالعقل ؛ إذ كان يجمع في المرحلة الأولى الملاحظات التي تزوّده بها تجاربه وملاحظاته ، ثمّ يوازن في المرحلة الثانية بينها بعقله حتّى يصل إلى النتيجة .
ولا نعرف فتحاً علمياً استغنى بالمرحلة الأولى عن الثانية ولم يمرّ بمرحلتين على هذا النحو ، حيث تكون قضايا المرحلة الأولى اموراً محسوسةً وقضايا المرحلة الثانية اموراً مستنتجةً ومستدلّةً يدركها العقل ولا تقع تحت الحسّ المباشر .
ففي قانون الجاذبية مثلا لم يحسّ ( نيوتن ) بقوة الجذب بين جسمين إحساساً مباشراً ، ولم يحسّ بأنّها تتناسب عكسياً مع مربّع البعد بين مركزيهما وطردياً مع حاصل ضرب الكتلتين ، وإنّما أحسّ بالحجر وهو يسقط على الأرض إذا هوى ، وبالقمر وهو يدور حول الأرض ، وبالكواكب وهي تدور حول الشمس ، وبدأ يفكّر فيها معاً ، واستمرّ في محاولة عامّة لتفسيرها جميعاً مستعيناً بنظريات ( غاليلو ) في التعجيل المنتظم للأجسام الساقطة على الأرض والمتدحرجة على السطوح المائلة ، ومستفيداً من قوانين ( كبلر ) التي تتحدّث عن حركة الكواكب ، والتي يقول في أحدها : إنّ مربّع زمن دوران كلّ كوكب حول الشمس يتناسب مع مكعّب بُعده عنها .
وعلى ضوء كلّ ذلك اكتشف قانون الجاذبية ، فافترض قوة جذب بين كلّ كتلتين تتناسب وتتأثّر بحجم الكتلة ودرجة البعد .
وكان بالإمكان لهذا الاتّجاه الحسّي والتجريبي في البحث عن نظام الكون
الفتاوى الواضحة وفقا لمذهب أهل البيت ( ع ) ( تراث الشهيد الصدر ج 16 ) — صفحة 25
مساهمون: السيد محمد باقر الصدر
ص٢٥