أن يقدّم دعماً جديداً وباهراً للإيمان بالله سبحانه وتعالى ؛ بسبب ما يكشفه من ألوان الاتّساق ودلائل الحكمة التي تشير إلى الصانع الحكيم ، غير أنّ العلماء الطبيعيّين - بوصفهم علماء طبيعة - لم يكونوا معنيّين بتجلية هذه القضية التي كانت لا تزال مسألةً فلسفيةً حسب التصنيف السائد لمسائل المعرفة البشرية وقضاياها .
وسرعان ما نشأت على الصعيد الفلسفي وخارج نطاق العلم وما يجري فيه نزعات فلسفية ومنطقية حاولت أن تفلسف أو تمنطق هذا الاتّجاه الحسي ، فأعلنت أنّ الوسيلة الوحيدة للمعرفة هو الحسّ ، وحيث ينتهي الحسّ تنتهي معرفة الإنسان ، فكلّ ما لا يكون محسوساً ولا يمكن تسليط التجربة عليه بشكل وآخر فلا يملك الإنسان وسيلةً لإثباته .
وبهذا استخدم الاتّجاه الحسّي والتجريبي لضرب فكرة الإيمان بالله تعالى ، فما دام الله سبحانه ليس كائناً محسوساً بالإمكان رؤيته والإحساس بوجوده فلا سبيل إذن إلى إثباته ، ولم يكن هذا الاستخدام على يد العلماء الذين مارسوا الاتّجاه التجريبيّ بنجاح ، بل على يد مجموعة من الفلاسفة ذوي النزعات الفلسفية والمنطقية التي فسّرت هذا الاتّجاه الحسّي تفسيراً فلسفياً أو منطقياً خاطئاً .
وقد وقعت هذه النزعات المتطرّفة تدريجاً في تناقض :
فمن الناحية الفلسفية وجدت هذه النزعات نفسها مضطرّةً إلى إنكار الواقع الموضوعي ، أي إنكار الكون الذي نعيش فيه جملةً وتفصيلا ؛ لأنّنا لا نملك سوى الحسّ ، والحسّ إنّما يعرّفنا على الأشياء كما نحسها ونراها لا كما هي ، فحين نحسّ بشيء يمكننا أن نؤكّد وجوده في إحساسنا ، وأمّا وجوده خارج نطاق وعينا وبصورة مستقلّة وموضوعية ومسبقة على الإحساس فلا سبيل إلى إثباته ، فحينما ترى القمر في السماء تستطيع أن تؤكّد فقط رؤيتك للقمر وإحساسك به في
الفتاوى الواضحة وفقا لمذهب أهل البيت ( ع ) ( تراث الشهيد الصدر ج 16 ) — صفحة 26
مساهمون: السيد محمد باقر الصدر
ص٢٦