تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس في علم الأصول ، الحلقة الثانية ( تراث الشهيد الصدر ج 6 ق 1 ) — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
وأمّا النحو الثاني فكثرة الاستعمال المذكورة قد تبلغ إلى درجةٍ توجب نقل اللفظ من وضعه الأوّل إلى الوضع للحصّة ، أو تحقّق وضعاً تعيّنيّاً للَّفظ لتلك الحصّة بدون نقل ، وقد لا توجب ذلك أيضاً ، ولكنّها تشكّل درجةً من العلاقة والقرن بين اللفظ والحصّة بمثابةٍ تصلح أن تكون قرينةً على إرادتها خاصّةً من اللفظ ، فلا يمكن حينئذٍ إثبات الإطلاق بقرينة الحكمة ؛ لأنّها تتوقّف على أن لا يكون في كلام المتكلّم ما يدلّ على القيد ، وتلك العلاقة والانس الخاصّ يصلح للدلالة عليه .

الإطلاق المقاميّ :

الإطلاق الذي استعرضناه وعرفنا أنّه يثبت بقرينة الحكمة والظهور الحاليّ السياقيّ نسمّيه « الإطلاق اللفظيّ » تمييزاً له عن نحوٍ آخر من الإطلاق لابدّ من معرفته ، نطلق عليه اسم « الإطلاق المقاميّ » . ونقصد بالإطلاق اللفظيّ : حالة وجود صورةٍ ذهنيّةٍ للمتكلّم وصدور الكلام منه في مقام التعبير عن تلك الصورة ، ففي مثل هذه الحالة إذا تردَّدنا في هذه الصورة هل أنّها تشتمل على قيدٍ غير مذكورٍ في الكلام الذي سيق للتحدّث عنها ، كان مقتضى الظهور الحاليّ السياقيّ في أنّ المتكلّم يبيّن تمام المراد بالخطاب مع عدم ذكره للقيد هو الإطلاق ، وهذا هو الإطلاق اللفظيّ ؛ لأنّه يرتبط بمدلول اللفظ . وأمّا الإطلاق المقاميّ فلا يراد به نفي شيءٍ لو كان ثابتاً لكان قيداً في الصورة الذهنيّة التي يتحدّث عنها اللفظ ، وإنّما يراد به نفي شيءٍ لو كان ثابتاً لكان صورةً ذهنيّةً مستقلّةً وعنصراً آخر ، فإذا قال المتكلّم : « الفاتحة جزء في الصلاة ، والركوع جزء فيها ، والسجود جزء فيها . . . » وسكت ، وأردنا أن نثبت بعدم ذكره لجزئيّة السورة أنّها ليست جزءاً كان هذا إطلاقاً مقاميّاً . ويتوقّف هذا الإطلاق المقاميّ على إحراز أنّ المتكلّم في مقام بيان تمام أجزاء الصلاة ، إذ ما لم يحرز ذلك لا يكون
دروس في علم الأصول ، الحلقة الثانية ( تراث الشهيد الصدر ج 6 ق 1 ) — صفحة 248 | السيد محمد باقر الصدر