المسألة الأولى
مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر أهل العلم أن مجهول الحال غير
مقبول الرواية ، بل لا بد من خبرة باطنة بحاله ومعرفة سيرته ، وكشف سريرته ،
أو تزكية من عرفت عدالته وتعديله له .
وقال أبو حنيفة وأتباعه : يكتفى في قبول الرواية بظهور الاسلام والسلامة عن
الفسق ظاهرا . وقد احتج النافون بحجج :
الأولى : أن الدليل بنفي قبول خبر الفاسق وهو قوله تعالى : * ( إن جاءكم فاسق
بنبأ فتبينوا ) * ( 49 ) الحجرات : 6 ) غير أنا خالفناه فيمن ظهرت عدالته بالاختبار بمعنى لا وجود له في
محل النزاع ، وهو ما اختص به من زيادة ظهور الثقة بقوله ، فوجب أن لا يقبل .
ولقائل أن يقول : الآية إنما دلت على امتناع قبول خبر الفاسق ، ومن ظهر
إسلامه وسلم من الفسق ظاهرا ، لا نسلم أنه فاسق حتى يندرج تحت عموم الآية .
واحتمال وجود الفسق فيه لا يوجب كونه فاسقا ، بدليل العدل المتفق على عدالته .
الحجة الثانية : أنه مجهول الحال فلا يقبل إخباره في الرواية دفعا لاحتمال مفسدة
الكذب ، كالشهادة في العقوبات .
ولقائل أن يقول : وإن كان احتمال الكذب قائما ظاهرا ، غير أن احتمال
الصدق مع ظهور الاسلام والسلامة من الفسق ظاهرا أظهر من احتمال الكذب .
ومع ذلك ، فاحتمال القبول يكون أولى من احتمال الرد ، ولا يمكن القياس على
الشهادة ، لان الاحتياط في باب الشهادة أتم منه في باب الرواية . ولهذا ، كان
العدد والحرية مشترطا في الشهادة دون الرواية ، ومتعبدا فيها بألفاظ خاصة غير
معتبرة في الرواية ، حتى إنه لو قال أعلم بدل قوله أشهد لم يكن مقبولا .
الاحكام — صفحة 78
مساهمون: الآمدي
ص٧٨