قلنا : إذا كان الغرض إنما هو غلبة السهو ، أو التعادل ، فالراوي ، وإن
كان الغالب من حاله أنه لا يروي إلا ما يظن أنه ذاكر له ، فذلك لا يوجب
حصول الظن بصحة روايته ، لان من شأنه النسيان يظن أنه ما نسي ، وإن كان ناسيا .
وأما إنكار الصحابة على أبي هريرة كثرة الرواية ، فلم يكن ذلك لاختلال
ضبطه وغلبة النسيان عليه ، بل لان الاكثار مما لا يؤمن معه اختلال الضبط الذي
لا يعرض لمن قلت روايته وإن كان ذلك بعيدا .
وما قيل من أن الخبر دليل ، والأصل فيه الصحة ، فلا يترك بالشك .
قلنا إنما يكون دليلا ، والأصل فيه الصحة ، إذا كان مغلبا على الظن ، ومع
عدم ترجيح ذكر الراوي على نسيانه لا يكون مغلبا على الظن ، فلا يكون دليلا
لوقوع التردد في كونه دليلا ، لا في أمر خارج عنه ، ولا كذلك فيما إذا شك في
الحدث ، ثم تيقن سابقة الطهارة ، فإن تيقن الطهارة السابقة لا يقدح فيه الشك
الطارئي ، وبالنظر إليه يترجح إليه أحد الاحتمالين ، فلا يبقى معه الشك في الدوام ،
حتى إنه لو بقي الشك مع النظر إلى الأصل ، لما حكم بالطهارة .
الشرط الرابع : أن يكون الراوي متصفا بصفة العدالة وذلك يتوقف على
معرفة ( العدل ) لغة وشرعا .
أما العدل في اللغة ، فهو عبارة عن المتوسط في الأمور من غير إفراط في
طرفي الزيادة والنقصان ، ومنه قوله تعالى : * ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) * ( 2 ) البقرة : 143 ) أي عدلا .
فالوسط والعدل بمعنى واحد .
وقد يطلق في اللغة ويراد به المصدر المقابل للجور ، وهو اتصاف الغير بفعل ما
يجب له ، وترك ما لا يجب ، والجور في مقابلته .
وقد يطلق ويراد به ما كان من الأفعال الحسنة يتعدى الفاعل إلى غيره ،
ومنه يقال للملك المحسن إلى رعيته : عادل .
وأما في لسان المتشرعة ، فقد يطلق ويراد به أهلية قبول الشهادة والرواية
عن النبي صلى الله عليه وسلم .
الاحكام — صفحة 76
مساهمون: الآمدي
ص٧٦