المسألة الثامنة
في تخصيص العموم بفعل الرسول ، صلى الله عليه وسلم .
وقد اختلف القائلون بكون فعل الرسول حجة على غيره هل يجوز تخصيصه
للعموم أم لا ؟
فأثبته الأكثرون ، كالشافعية ، والحنفية والحنابلة ، ونفاه الأقلون ، كالكرخي .
وتحقيق الحق من ذلك يتوقف على التفصيل ، وهو أن نقول : العام الوارد ،
إما أن يكون عاما للأمة والرسول ، كما لو قال ، صلى الله عليه وسلم الوصال ، أو استقبال
القبلة في قضاء الحاجة ، أو كشف الفخذ ، حرام على كل مسلم .
وإما أن يكون عاما للأمة دون الرسول ، كما لو قال صلى الله عليه وسلم : نهيتكم عن الوصال ،
أو استقبال القبلة في قضاء الحاجة ، أو كشف الفخذ ، فإن كان الأول فإذا رأيناه قد
واصل أو استقبل القبلة في قضاء الحاجة أو كشف فخذه ، فلا خلاف في أن فعله
يدل على إباحة ذلك الفعل في حقه ، ويكون مخرجا له عن العموم ومخصصا .
وأما بالنسبة إلى غيره ، فإما أن نقول بأن اتباعه في فعله والتأسي به واجب
على كل من سواه ، أو لا نقول ذلك .
فإن قيل بالأول ، فيلزم منه رفع حكم العموم مطلقا في حقه بفعله ، وفي حق
غيره بوجوب التأسي به ، فلا يكون ذلك تخصيصا ، بل نسخا لحكم العموم مطلقا ،
بالنسبة إليه وإلى غيره .
وإن قيل بالثاني ، كان ذلك تخصيصا له عن العموم ، دون أمته .
وأما إن كان عاما للأمة دون الرسول ، ففعله لا يكون مخصصا لنفسه عن
العموم ، لعدم دخوله فيه . وأما بالنسبة إلى الأمة ، فإن قيل أيضا بوجوب اتباع
الأمة له في فعله ، كان ذلك أيضا نسخا عنهم لا تخصيصا ، كما سبق . وإن لم يكن
ذلك واجبا عليهم ، فلا يكون فعله مخصصا للعموم أصلا ، لا بالنسبة إليه ، لعدم
دخوله في العموم ، ولا بالنسبة إلى الأمة . وعلى هذا التفصيل ، فلا أرى للخلاف
على هذا التخصيص بفعل النبي وجها :
الاحكام — صفحة 329
مساهمون: الآمدي
ص٣٢٩