وإن سلمنا أن دلالة العام بالنظر إلى متنه ظنية مطلقا ، غير أنه قطعي السند ،
والخبر وإن كان قاطعا في متنه ، فظني في سنده ، فقد تقابلا وتعارضا ، ووجب
التوقف على دليل خارج لعدم أولوية أحدهما ، كما قال القاضي أبو بكر .
والجواب : قد بينا أن الصحابة أجمعوا على تخصيص العمومات بأخبار الآحاد ،
حيث إنهم أضافوا التخصيص إليها من غير نكير ، فكان إجماعا .
وما ذكروه من الخبر ، فإنما يمنع من تخصيص عموم القرآن بالخبر ، أن لو كان
الخبر المخصص مخالفا للقرآن ، وهو غير مسلم بل هو مبين للمراد منه ، فكان مقررا
لا مخالفا ، ويجب اعتقاد ذلك ، حتى لا يفضي إلى تخصيص ما ذكروه من
الخبر ، بالخبر المتواتر من السنة ، فإنه مخصص للقرآن من غير خلاف .
قولهم إن صح إجماع الصحابة ، فالتخصيص بإجماعهم ، لا بالخبر ، ليس كذلك ،
فإن إجماعهم لم يكن على تخصيص تلك العمومات مطلقا ، بل على تخصيصها
بأخبار الآحاد ، ومهما كان التخصيص بأخبار الآحاد مجمعا عليه ، فهو المطلوب .
وأما ما ذكروه من تكذيب عمر لفاطمة بنت قيس فلم يكن ذلك لان خبر
الواحد في تخصيص العموم مردود عنده ، بل لتردده في صدقها ، ولهذا قال
كيف نترك كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت ولو
كان خبر الواحد في ذلك مردودا مطلقا ، لما احتاج إلى هذا التعليل .
قولهم : لم يكن إجماعهم على ذلك لمجرد خبر الواحد .
قلنا : ونحن لا نقول بأن مجرد خبر الواحد يكون مقبولا ، بل إنما يقبل إذا كان
مغلبا على الظن صدقه ، ومع ذلك فالأصل عدم اعتبار ما سواه في القول .
قولهم إن سند الخبر ظني ، مسلم ، ولكن ، لا نسلم أن دلالة العموم على
الآحاد الداخلة فيه ، قطعية ، لاحتماله للتخصيص بالنسبة إلى أي واحد منها قدر ،
وسواء كان قد خص ، أو لم يكن ، على ما سبق بيانه .
الاحكام — صفحة 326
مساهمون: الآمدي
ص٣٢٦