فإن قيل : لو كان الكتاب مبينا للكتاب ، لخرج النبي ، صلى الله عليه وسلم ، عن كونه مبينا
للكتاب ، وهو خلاف قوله تعالى * ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) * ( 16 ) النحل : 44 ) وهو ممتنع .
قلنا : إضافة البيان إلى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ليس فيه ما يمنع من كونه مبينا للكتاب بالكتاب ،
إذ الكل وارد على لسانه ، فذكره الآية المخصصة يكون بيانا منه ، ويجب حمل
وصفه بكونه مبينا على أن البيان وارد على لسانه ، كان الوارد على لسانه الكتاب
أو السنة ، لما فيه من موافقة عموم قوله تعالى * ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ ) * ( 16 ) النحل : 89 )
فإن مقتضاه أن يكون الكتاب مبينا لكل ما هو من الكتاب ، لكونه شيئا ، غير
أنا خالفناه في البعض ، فيجب بالبعض الآخر تقليلا لمخالفة الدليل العام .
فإن قيل : ما ذكرتموه ، وإن صح فيما إذا كان الخاص متأخرا ، ولا يصح فيما
اما جهل التاريخ ، وذلك لأنه يحتمل أن يكون الخاص مقدما ، فيكون العام بعده
ناسخا له ، ويحتمل أن يكون العام متقدما ، فيكون الخاص مخصصا له ، ولم يترجح
أحدهما على الآخر ، فوجب التعارض والتساقط ، والرجوع إلى دليل آخر ،
كما ذهب إليه أبو حنيفة والقاضي أبو بكر والامام أبو المعالي .
وإن سلمنا كون الخاص مخصصا ، مع الجهل بالتاريخ ، فلا يصح فيما إذا كان
العام متأخرا عن الخاص ، فإنه يتعين أن يكون ناسخا لمدلول الخاص ، لا أن يكون
الخاص مخصصا للعام ، على ما ذهب إليه أصحاب أبي حنيفة وبعض المعتزلة .
وبيانه من أربعة أوجه :
الأول : أنه إذا قال اقتلوا المشركين فهو جار مجرى قوله اقتلوا زيدا المشرك ،
وعمرا المشرك وخالدا وهلم جرا . فإذا الخاص كقوله اقتلوا زيدا المشرك
إذا ورد العام بعده بنفي القتل عن الجميع ، فهو ناص على زيد ، ولو قال اقتلوا
زيدا لا تقتلوا زيدا كان نسخا .
الثاني : أن الخاص المتقدم يمكن نسخه والعام الوارد بعده مما يمكن أن يكون
ناسخا ، فكان ناسخا .
الاحكام — صفحة 319
مساهمون: الآمدي
ص٣١٩