وأما الآية الثالثة ، فجوابها من وجهين : الأول : أن قوله تعالى : * ( وما لهم به من علم إلا اتباع الظن ) * ( 4 ) النساء : 157 ) عام في كل ما يسمى
علما ، والظن يسمى علما ، ودليله قوله تعالى * ( فإن علمتموهن مؤمنات ) * ( 60 ) الممتحنة : 10 ) وأراد
إن ظننتموهن لاستحالة اليقين بذلك ، وذلك إن كان من الأسماء المتواطئة ،
فلا يكون الاستثناء من غير الجنس ، وإن كان من الأسماء المشتركة أو المجازية ،
فهو من جملة الأسماء العامة كما سبق .
الثاني : أن ( إلا ) فيها ليست للاستثناء ، بل هي بمعنى ( لكن ) وكذلك الحكم
فيما بعدها من الآيات .
وأما استثناء ( اليعافير والعيس ) من ( الأنيس ) ، فليس استثناء من غير الجنس ،
لأنها مما يؤنس بها ، فهي من جنس الأنيس ، وإن لم تكن من جنس الانس ،
بل وقد يحصل الانس بالآثار والأبنية والأشجار ، فضلا عن الحيوان .
وأما استثناء ( الأواري ) من ( أحد ) فإنما كان لأنه كما يطلق الأحد على
الآدمي ، فقد يطلق على غيره من الحيوانات والجمادات ولذلك يقال : رأيت أحد
الحمارين ، وركبت أحد الفرسين ، ورميت أحد الحجرين وأحد السهمين ، فلم
يكن الاستثناء من غير الجنس من حيث إن الأواري مما يصدق عليها لفظة ( أحد ) وبتقدير
أن لا يكون من الجنس ، فإلا ليست استثنائية حقيقة ، بل بمعنى ( لكن ) كما سبق .
وأما ( فلول السيوف ) فهو عيب في السيوف ، وإن كان يسبب فلولها فخرا
ومدحة لأربابها ، فهو في الجملة استثناء من الجنس .
وقول العرب : ( ما زاد إلا ما نقص ) تقديره : ما زاد شئ إلا الذي نقص أي
ينقص ، وهو استثناء من الجنس .
وقولهم : ( ما في الدار أحد إلا الوتد ) فجوابه كما سبق في ( الأواري ) من ( أحد ) .
وقوله : ( ما جاءني زيد إلا عمرو ) فإلا بمعنى ( لكن ) .
وما ذكروه من المعقول ، قولهم : إن الاستثناء لا يرفع جميع المستثنى منه ،
فشئ لا إشعار له بصحة الاستثناء من غير الجنس .
الاحكام — صفحة 296
مساهمون: الآمدي
ص٢٩٦