وأما الاجماع ، فإنما اختص علماء الاسلام بالاحتجاج به للأدلة السمعية ، دون
الأدلة العقلية ، كما سبق ، بخلاف التواتر
وأما أنه لم يحصل لنا العلم بما أخبر به النصارى من قتل المسيح وصلبه وكلمة
التثليث ، فيجب أن يكون ذلك محالا على عدم شرط من شروط التواتر ،
وهو إما اختلال استواء طرفي الخبر ووسطه فيما ذكرناه من الشروط قبل ، أو
لأنهم ما سمعوا كلمة التثليث صريحا ، بل سمعوا كلمة موهمة لذلك ، فنقلوا
التثليث ويجب اعتقاد ذلك نفيا للكفر عن المسيح ، على ما قال تعالى * ( لقد كفر
الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) * ( 5 ) المائدة : 73 ) أو لان المسيح شبه لهم ، فنقلوا قتله وصلبه ،
ولا بعد في ذلك ، وإن كان الغلط فيه غير معتاد ، إذا وقع في زمان خرق العوائد ،
وهو زمان النبوة ، وإن كان بعيدا في غير زمانه . ويجب اعتقاد ذلك ، عملا
بقوله تعالى : * ( وما قتلوه ، وما صلبوه ، ولكن شبه لهم ) * ( 4 ) النساء : 157 ) .
فإن قيل : فخرق العوائد جائز في غير زمان النبوة بكرامات الأولياء ، فليجز
في كل ما أخبر به أهل ذلك العصر عن المحسات ووقوع الغلط فيه .
قلنا : إن حصل لنا العلم بخبرهم ، علمنا استحالة الغلط عليهم وإن لم يحصل
لنا العلم به ، علمنا أنه قد اختل شرط من شرائط التواتر ، وإن لم يكن ذلك
الشرط معينا عندنا .
الرابع : ذهب قوم إلى أن شرطه أن يكونوا محمولين على أخبارهم بالسيف ،
وهو باطل ، فإنهم إن حملوا على الصدق لم يمتنع حصول العلم بقولهم ، كما لو
لم يحملوا عليه . ولهذا فإنه لو حمل الملك أهل مدينة عظيمة على الاخبار عن
أمر محس . وجدنا أنفسنا عالمة بخبرهم حسب علمنا بخبرهم من غير حمل ، وإن
حملوا على الكذب فيمتنع حصول العلم بخبرهم ، لفوات شرط وهو إخبارهم
عن معلوم محس .
الاحكام — صفحة 28
مساهمون: الآمدي
ص٢٨