ومنهم من قال : أقل ذلك اثنا عشر ، بعدد النقباء من بني إسرائيل ، على
ما قال تعالى : * ( وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ) * ( 5 ) المائدة : 12 ) وإنما خصهم بذلك العدد لحصول
العلم بخبرهم
ومنهم من قال : أقله عشرون ، تمسكا بقوله تعالى : * ( إن يكن منكم عشرون
صابرون يغلبوا مائتين ) * ( 8 ) الأنفال : 65 ) وإنما خصهم بذلك لحصول العلم بما يخبرون به .
ومنهم من قال : أقل ذلك أربعون ، أخذا من عدد أهل الجمعة .
ومنهم من قال : أقلهم سبعون ، تمسكا بقوله تعالى : * ( واختار موسى قومه
سبعين رجلا لميقاتنا ) * ( 7 ) الأعراف : 155 ) وإنما خصهم بذلك لحصول العلم بما يخبرون به .
ومنهم من قال : أقله ثلاثمائة وثلاثة عشر ، نظرا إلى عدد أهل بدر ، إنما
خصوا بذلك ليعلم ما يخبرون به للمشركين .
ومنهم من قال : أقل عدد يحصل به العلم معلوم لله تعالى ، غير معلوم لنا ،
وهذا هو المختار . وذلك لأنا لا نجد من أنفسنا معرفة العدد الذي حصل علمنا
بوجود مكة ، وبغداد ، وغير ذلك من المتواترات عنده . ولو كلفنا أنفسنا معرفة
ذلك عند توارد المخبرين بأمر من الأمور بترقب الحالة التي يكمل علمنا فيها بعد
تزايد ظننا بخبر واحد بعد واحد ، لم نجد إليه سبيلا عادة ، كما لم نجد من أنفسنا العلم
بالحالة التي يحصل فيها كمال عقولنا بعد نقصها ، بالتدريج الخفي ، لقصور القوة
البشرية عن الوقوف على ذلك ، بل يحصل لنا العلم بخبر التواتر ، وإن كنا لا نقف
على أقل عدد أفاده ، كما نعلم حصول الشبع بأكل الخبز ، والري بشرب الماء ،
وإن كنا لا نقف على المقدار الذي حصل به الشبع والري .
وما قيل من الأقاويل في ضبط عدد التواتر ، فهي مع اختلافها وتعارضها
وعدم مناسبتها وملائمتها للمطلوب ، مضطربة فإنه ما من عدد يفرض حصول
العلم به لقوم إلا وقد يمكن فرض خبرهم بعينه غير مفيد للعلم ، بالنظر إلى
آخرين ، بل ولو أخبروا بأعيانهم بواقعة أخرى لم يحصل بها العلم لمن حصل له
العلم بخبرهم الأول ، ولو كان ذلك العدد هو الضابط لحصول العلم لما اختلف ،
وإنما وقع الاختلاف بسبب الاختلاف في القرائن المقترنة بالخبر ، وقوة سماع
المستمع وفهمه وإدراكه للقرائن .
الاحكام — صفحة 26
مساهمون: الآمدي
ص٢٦