المسألة الخامسة عشرة
العطف على العام هل يوجب العموم في المعطوف ؟ اختلفوا فيه ، فمنع أصحابنا
من ذلك ، وأوجبه أصحاب أبي حنيفة رحمه الله .
ومثاله استدلال أصحابنا على أن المسلم لا يقتل بالذمي بقوله ، صلى الله عليه وسلم لا يقتل مسلم
بكافر وهو عام بالنسبة إلى كل كافر ، حربيا كان أو ذميا .
فقال أصحاب أبي حنيفة : لو كان ذلك عاما للذمي ، لكان المعطوف عليه
كذلك ، وهو قوله ولا ذو عهد في عهده ضرورة الاشتراك بين المعطوف
والمعطوف عليه في الحكم وصفته ، وليس كذلك ، فإن الكافر الذي لا يقتل به المعاهد
إنما هو الكافر الحربي دون الذمي .
احتج أصحابنا بثلاثة أمور :
الأول : أن المعطوف لا يستقل بنفسه في إفادة حكمه ، واللفظ الدال على حكم
المعطوف عليه لا دلالة له على حكم المعطوف بصريحه ، وإنما أضمر حكم المعطوف
عليه في المعطوف ، ضرورة الإفادة ، وحذرا من التعطيل . والاضمار على خلاف
الأصل ، فيجب الاقتصار فيه على ما تندفع به الضرورة ، وهو التشريك في أصل
الحكم دون تفصيله من صفة العموم وغيره ، تقليلا لمخالفة الدليل .
الثاني : أنه قد ورد عطف الخاص على العام في قوله تعالى : * ( والمطلقات يتربصن
بأنفسهن ثلاثة قروء ) * ( 2 ) البقرة : 228 ) فإنه عام في الرجعية والبائن ، وقوله : * ( وبعولتهن أحق
بردهن ) * ( 2 ) البقرة : 228 ) خاص . وورد عطف الواجب على المندوب في قوله تعالى : * ( فكاتبوهم ) * ( 24 ) النور : 33 )
فإنه للندب ، وقوله : * ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) * ( 24 ) النور : 33 ) للايجاب ، وورد عطف
الواجب على المباح في قوله تعالى : * ( كلوا من ثمره إذا أثمر ) * ( 6 ) الانعام : 141 ) فإنه للإباحة وقوله :
* ( وآتوا حقه ) * ( 6 ) الانعام : 141 ) للايجاب . ولو كان الأصل هو الاشتراك في أصل الحكم وتفصيله ،
لكان العطف في جميع هذه المواضع على خلاف الأصل ، وهو ممتنع .
الثالث : أن الاشتراك في أصل الحكم متيقن ، وفي صفته محتمل ، فجعل العطف
أصلا في المتيقن دون المحتمل أولى .
الاحكام — صفحة 258
مساهمون: الآمدي
ص٢٥٨