تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدرسة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 5 ق 2 ) — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
ومنذ نبدأ بالمقارنة بين الحرّية في الإسلام والحرّية في الديمقراطية الرأسمالية تبدو لدينا بوضوحٍ الفروق الجوهرية بين الحرّية التي عاشها المجتمع الرأسمالي ونادت بها الرأسمالية ، وبين الحرّية التي حمل لواءها الإسلام وكفلها للمجتمع الذي صنعه وقدَّم فيه تجربته على مسرح التأريخ . فكلّ من الحرّيتين تحمل طابع الحضارة التي تنتمي إليها ، وتلتقي مع مفاهيمها عن الكون والحياة ، وتعبِّر عن الحالة العقلية والنفسية التي خلقتها تلك الحضارة في التأريخ . فالحرّية في الحضارة الرأسمالية بدأت شكّاً مريراً طاغياً واستحال هذا الشكّ في امتداده الثوري إلى إيمانٍ مذهبيٍّ بالحرّية ، وعلى العكس من ذلك الحرّية في الحضارة الإسلامية ، فإنّها تعبير عن يقينٍ مركزيٍّ ثابتٍ ( الإيمان باللَّه ) تستمدّ منه الحرّية ثوريتها ، وبقدر ارتكاز هذا اليقين وعمق مدلوله في حياة الإنسان تتضاعف الطاقات الثورية في تلك الحرّية . والحرّية الرأسمالية ذات مدلولٍ إيجابي ، فهي تعتبر أنّ كلَّ إنسانٍ هو الذي يملك بحقٍّ نفسه ، ويستطيع أن يتصرّف فيها كما يحلو له ، دون أن يخضع في ذلك لأيِّ سلطةٍ خارجية . ولأجل ذلك كانت جميع المؤسّسات الاجتماعية - ذات النفوذ في حياة الإنسان - تستمدّ حقّها المشروع في السيطرة على كلّ فردٍ من الأفراد أنفسهم . وأمّا الحرّية في الإسلام فهي تحتفظ بالجانب الثوري من الحرّية ، وتعمل لتحرير الإنسان من سيطرة الأصنام ، كلّ الأصنام التي رزحت الإنسانية في قيودها عبر التأريخ ، ولكنّها تقيم عملية التحرير الكبرى هذه على أساس الإيمان بالعبودية المخلصة للَّه ، وللَّه وحده . فعبودية الإنسان للَّه‌في الإسلام - بدلًا عن امتلاكه لنفسه في الرأسمالية - هي الأداة التي يحطِّم بها الإنسان كلَّ