وذوي الصناعات وأوصِ بهم خيراً ، المقيم منهم والمضطرب بماله والمترفّق ببدنه ، فإنّهم موادّ المنافع ، وأسباب المرافق ، وجلّابها من المباعد والمطارح ، في برّك وبحرك وسهلك وجبلك ، وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها ولا يجترون عليها » « 1 » .
وواضح من هذا النصّ أنّ فئة التجّار جعلت في صفّ واحد مع ذوي الصناعات ، أي المنتجين ، وأطلق عليهم جميعاً أنّهم موادّ المنافع ، فالتاجر يخلق منفعة كما يخلق الصانع ، وعقّب ذلك بشرح المنافع التي يخلقها التجّار ، والعمليّات التي يمارسونها في جلب المال من المباعد والمطارح ، ومن حيث لا يلتئم الناس لمواضعها ، ولا يجترئون عليها .
فالتجارة في نظر الإسلام إذن نوع من الإنتاج والعمل المثمر ، ومكاسبها إنّما هي في الأصل نتيجة لذلك ، لا للعمليّة في نطاقها القانوني فحسب .
وهذا المفهوم الإسلامي عن التداول ليس مجرّد تصوّر نظري فحسب ، وإنّما يعبّر عن اتّجاه عملي عامّ ؛ لأنّه يقدّم الأساس الذي تملأ الدولة على ضوئه الفراغ المتروك لها في حدود صلاحيّاتها ، كما ألمعنا إلى ذلك سابقاً .
الاتّجاه التشريعي الذي يعكس المفهوم :
وأمّا الأحكام والتشريعات التي تعكس المفهوم الإسلامي في التداول فيمكننا أن نجدها في عدد من النصوص التشريعيّة والآراء الفقهيّة كما يلي :
1 - في رأي عدد من الفقهاء كالعماني والصدوق والشهيد الثاني والشافعي وغيرهم : أنّ التاجر إذا اشترى حنطة مثلًا ولم يقبضها لا يسمح له أن يربح فيها
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : 438