تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 417

مساهمون:

ص٤١٧
وإنّما نطلق على تفسير الإدراك البصري بهذا : اسم التفسير العلمي ؛ لأنّه يدخل في المجال التجريبي ، أو الملاحظة المنظّمة ؛ فإنّ إدراك الصيغة ، وتغيّر الجزء تبعاً لتغيّرها تجريبي ، ولذلك برهنت مدرسة ( الجشطالت ) على نظريتها بالتجربة التي توضّح أنّ الإنسان لا يدرك الأجزاء فحسب ، بل يدرك شيئاً آخر كالشكل أو النغم ، ولذلك قد تجتمع الأجزاء جميعاً ، ومع ذلك لا يدرك ذلك الشكل أو النغم . فهناك - إذن - الصيغة التي تكشف الأجزاء جميعاً . ولا نريد الآن أن نتوسّع في شرح التفسيرات العلمية لعملية الإدراك البصري ودراستها ، وإنّما نرمي - من وراء ما قدّمناه - إلى تحديد موضع التفسير الفلسفي الذي نحاوله منها . فنقول بهذا الصدد : إنّ الإدراك العقلي للصورة المبصرة يثير - بعد تلك الدراسات العلمية كلّها - سؤالًا ، يواجهه الشكليون والارتباطيون على السواء ، وهو : السؤال عن هذه الصورة التي أدركها العقل ، وتكوّنت طبقاً لقوانين التداعي الآلي ، أو طبقاً لقوانين الصيغة والشكل ، فما هو كنهها ؟ وهل هي صورة مادّية أو صورة مجرّدة عن المادّة ؟ وهذا السؤال الأساسي هو الذي يصوغ المشكلة الفلسفية التي يجب على علم النفس الفلسفي دراستها ومعالجتها ، وهو الذي تردّ عليه المادّية والميتا فيزيقية بجوابين متناقضين . ويبدو الآن من الواضح جدّاً : أنّ السيكولوجيا العلمية - أي : علم النفس التجريبي - لا تستطيع في هذا المجال أن تؤكّد على التفسير المادّي للإدراك ، وتنفي وجود شيء في الحياة العقلية خارج المادّة ، كما تزعم الفلسفة المادّية ؛ لأنّ التجارب السيكولوجية - سواءٌ منها الذاتية والموضوعية - لا تمتدّ إلى ذلك المجال .