تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
الشعرى المحلّقة في السماء ، أي : الواقع الموضوعي للنجم . ويبقى في حسابنا بعد ذلك الافتراضان الأخيران : فالافتراض الثاني - القائل : إنّ الصورة المدرَكة نتاج مادّي قائم بعضو الإدراك في الجهاز العصبي - هو الذي يحدّد المذهب الفلسفي للمادّية . والافتراض الثالث - القائل : إنّ الصورة المدرَكة أو المحتوى العقلي لعملية الإدراك لا توجد في المادّة ، وإنّما هي لون من الوجود الميتافيزيقي ، خارج العالم المادّي - هو الذي يمثّل المذهب الفلسفي للميتافيزيقية . وفي هذه المرحلة من البحث يمكننا أن نستبعد الافتراض المادّي استبعاداً نهائياً ؛ وذلك لأنّ الصورة المدرَكة بحجمها وخصائصها الهندسية ، وامتدادها طولًا وعرضاً ، لا يمكن أن توجد في عضوٍ مادّي صغير في الجهاز العصبي . فنحن وإن كنّا نعتقد أنّ الأشعّة الضوئية تنعكس على الشبكية ، وتتصوّر في صورة خاصّة ، ثمّ تنتقل في أعصاب الحسّ إلى الدماغ ، فتنشأ في موضع محدّد منه صورة مماثلة للصورة التي حدثت على الشبكية . . . ولكن هذه الصورة المادّية غير الصورة المدرَكة في عقلنا ؛ لأنّها لا تملك ما تملكه الصورة المدرَكة من خصائص هندسية . فكما أنّ الحديقة التي أدركناها في نظرة واحدة لا يمكن أن نأخذ عنها صورة فوتوغرافية موازية لها في السعة والشكل والامتداد على ورقة مسطّحة صغيرة ، كذلك لا يمكن أن نأخذ عنها صورة عقلية أو إدراكية - تحاكيها في سعتها ، وشكلها ، وخصائصها الهندسية - على جزء ضئيل من المخّ ؛ لأنّ انطباع الكبير في الصغير مستحيل . وإذن فيصبح من الضروري أن نأخذ بالافتراض الثالث ، وهو : أنّ الصورة المدرَكة - التي هي المحتوى الحقيقي للعملية العقلية - صورة ميتافيزيقية ، موجودة وجوداً مجرّداً عن المادّة ، وهذا هو كلّ ما يعنيه المفهوم الفلسفي
فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 420 | السيد محمد باقر الصدر