تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
فالصلة بين علم النفس وفلسفته كالصلة بين العلوم الطبيعية التجريبية وفلسفتها ؛ إذ تدرس علوم الطبيعة ظواهر الكهرباء المتنوّعة ، من تيارات ومجالات ، وجهد وحثّ كهربائيين ، وما إلى ذلك من قوانين الكهرباء الفيزيائية . وتدرس على هذا النحو - أيضاً - مختلف ظواهر المادّة والطاقة . وأمّا حقيقة الكهرباء ، وحقيقة المادّة أو الطاقة ، فهي من حقّ البحث الفلسفي . وكذلك الأمر في الحياة العقلية ؛ فإنّ البحث العلمي يتناول الظواهر النفسية التي تدخل في نطاق التجربة الذاتية أو الموضوعية ، ويوكل الحديث عن طبيعة الإدراك ، وحقيقة المحتوى الداخلي للعمليات العقلية ، إلى فلسفة النفس ، أو علم النفس الفلسفي . وفي ضوء هذا نستطيع أن نميّز - دائماً - بين الجانب العلمي من المسألة ، والجانب الفلسفي . وفيما يلي مثالان لذلك من مواضيع البحث السيكولوجي : الأوّل - الملكات العقلية التي يلتقي فيها الجانبان معاً . فالجانب الفلسفي يتمثّل في نظرية الملكات القائلة بتقسيم العقل الإنساني إلى قوى وملكات عديدة لألوان من النشاط ، كالانتباه ، والخيال ، والذاكرة ، والتفكير ، والإرادة ، وما إليها من سمات . فهذه الفكرة تدخل في النطاق الفلسفي لعلم النفس ، وليست فكرة علمية بالمعنى التجريبي للعلم ؛ لأنّ التجربة - سواء كانت ذاتية كالاستبطان ، أم موضوعية كالملاحظة العلمية لسلوك الغير الخارجي - ليس في إمكاناتها علمياً أن تكشف عن تعدّد الملكات أو وحدتها ؛ فإنّ كثرة القوى العقلية أو وحدتها لا تقعان في ضوء التجربة مهما كان لونها . وأمّا الجانب العلمي من مسألة الملكات ، فيعني نظرية التدريب الشكلي في التربية التي تنصّ على أنّ الملكات العقلية يمكن تنميتها - ككلّ وبلا استثناء - بالتدريب في مادّة واحدة ، وفي نوع واحد من الحقائق . وقد أقرّ هذه النظرية عدّة من علماء النفس التربوي ، المؤمنين بنظرية الملكات التي كانت تسيطر على