تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
ومحتواه من عمليات وتغيّرات . وأمّا تفسير الإدراك في حقيقته وكنهه فلسفياً ، فليس من حقّ تلك العلوم ؛ إذ لا يمكن لها أن تثبت أنّ تلك الأحداث المعيّنة هي نفسها الإدراكات التي نحسّها من تجاربنا الخاصّة . وإنّما الحقيقة التي لا يرقى إليها شكّ ولا جدال هي : أنّ هذه الأحداث والعمليات الفيزيائية ، والكيميائية ، والفيزيولوجية ، ذات صلة بالإدراك ، وبالحياة السيكولوجية للإنسان ، فهي تلعب دوراً فعّالًا في هذا المضمار ، إلّاأنّ هذا لا يعني صحّة الزعم المادّي القائل بمادّية الإدراك ؛ فإنّ فرقاً واضحاً يبدو بين كون الإدراك شيئاً تسبقه أو تقارنه عمليات تمهيدية في مستويات مادّية ، وبين كون الإدراك بالذات ظاهرة مادّية ، ونتاجاً للمادّة في درجة خاصّة من النموّ والتطوّر ، كما تزعم الفلسفة المادّية . فالعلوم الطبيعية - إذن - لا تمتدّ في دراستها إلى المجال الفلسفي - مجال بحث الإدراك في حقيقته وكنهه - بل هي سلبية من هذه الناحية ، بالرغم من قيام المدرسة السلوكية في علم النفس بمحاولة تفسير حقيقة الإدراك والفكر في ضوء الكشوف الفيزيولوجية ، وخاصّة الفعل المنعكس الشرطي الذي يؤدّي تطبيقه على الحياة السيكولوجية إلى نظرة آلية خالصة تجاه الإنسان ، وسيأتي الحديث عن ذلك .

الإدراك في البحوث النفسية :

تنقسم البحوث السيكولوجية التي تعالج مشاكل النفس وقضاياها إلى قسمين : أحدهما البحوث العلمية التي يتكوّن منها علم النفس التجريبي . والآخر البحوث الفلسفية التي يتحمّل مسؤوليتها علم النفس الفلسفي ، أو فلسفة علم النفس . ولكلّ من علم النفس وفلسفته طرائفه وأساليبه الخاصّة في