منها . ولكن ليس معنى ذلك : أنّ من الضروري - دائماً وفي جميع المجالات - أن يقفز التطوّر في مراحل معيّنة ؛ ليكون تطوّراً كيفياً . ولا تكفي عدّة أمثلة للتدليل العلمي أو الفلسفي على حتمية هذه القفزات في تأريخ التطوّر ، وخصوصاً حين تنتقيها الماركسية انتقاءً ، وتهمل الأمثلة التي كانت تستعملها لإيضاح قانون آخر من قوانين الديالكتيك ، لا لشيء إلّالأنّها لا تتّفق مع هذا القانون الجديد . فقد كانت الماركسية تمثّل لتناقضات التطوّر بالجرثومة الحيّة في داخل البيضة التي تجنح إلى أن تكون فرخاً « 1 » ، وبالبذرة التي تنطوي على نقيضها ، فتتطوّر بسبب الصراع في محتواها الداخلي ، فتكون شجرة .
أفليس من حقّنا أن نطالب الماركسية بإعادة النظر في هذه الأمثلة ؛ لكي نعرف كيف تستطيع أن تشرح لنا قفزات التطوّر فيها ؟ فهل صيرورة البذرة شجرة ، أو الجرثومة فرخاً ( تطوّر تز إلى آنتى تز ) ، أو صيرورة الفرخ دجاجة ( تطوّر آنتي تز إلى سنتز ) ، تتأتّى بقفزة من قفزات التطوّر الديالكتيكية ، فتتحوّل الجرثومة في آن واحد إلى فرخ ، والفرخ إلى دجاجة ، والبذرة إلى شجرة ، وإنّ هذه الصيرورات تحصل بحركة تدريجية متصاعدة ؟ وحتّى في الموادّ الكيماوية القابلة للانصهار نجد اللونين من التطوّر معاً . فكما يحصل فيها التطوّر بقفزة ، كذلك قد يحصل بصورة تدريجية . فنحن نعلم - مثلًا - أنّ المواد المتبلورة تتحوّل من حالة الصلابة إلى حالة السيولة بصورة فجائية ، كالجليد الذي تساوي حرارة انصهاره ( 80 ) سعرة ، فتتحوّل عند ذاك دفعة واحدة إلى سائل . وعلى عكس ذلك المواد غير المتبلورة ، كالزجاج وشمع العسل ؛ فإنّها لا تنصهر ولا تتحوّل كيفياً بصورة دفعية ، وإنّما يتمّ انصهارها تدريجياً . فالشمع - مثلًا - ترتفع حرارته أثناء
هامش
( 1 ) هذه هي الديالكتيكية : مبادئ الفلسفة الأوّلية ؛ لجورج بوليتزر : 10