تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
العقلية إلى ثلاث طوائف « 1 » : الأولى - الرياضيات . والأحكام العقلية فيها كلّها أحكام تركيبية أوّلية سابقة على التجربة ؛ لأنّها تعالج موضوعات فطرية في النفس البشرية : فالهندسة تختصّ بالمكان ، والحساب موضوعه هو العدد ، والعدد عبارة عن تكرار الوحدة ، والتكرار معناه التعاقب والتتابع ، وهذا هو الزمن في مفهومه الفلسفي عند ( كانت ) . وإذن فالقطبان الرئيسيان اللذان تدور حولهما المبادئ الرياضية هما : المكان ، والزمان . والمكان والزمان في رأي ( كانت ) صورتان فطريتان في الحسّاسية الصورية للإنسان ، أي : أنّ صورتيهما موجودتان في الحسّ الصوري بصورة
هامش
( 1 ) ينبغي للقارئ أن يعرف شيئاً عن تحليل المعرفة في رأي ( كانت ) ، لتتّضح له نظريته في قيمة المعرفة وإمكانها ، فهو يرى أنّ الحسّ التجريبي يستورد الموضوعات التجريبية بصورة مشوّشة ، فتنشأ بذلك إحساسات متفرّقة : فالطعم الذي جاء على اللسان ، لا يرتبط بالرائحة التي سلكت عن طريق الأنف ، ولا باللمعة الخاطفة من الضوء التي أثّرت على شبكية العين ، ولا بالصوت الذي طرق الاذن . وهذه الأشتات الحسّية تتوحّد في قالبين موجودين في الحسّ بالفطرة ، وهما : قالبا الزمان ، والمكان ، فينتج عن ذلك إدراك حسّي أو معرفة حسّية لشيء معيّن ، فهذه المعرفة في مادّتها مستوردة من التجربة ، وفي صورتها فطرية ترجع إلى الزمان والمكان . والإدراكات الحسّية بدورها هي موادّ خامّ تقدّم بين يدي العقل ؛ لتتكوّن منها معرفة عقلية . والعقل يملك عدّة قوالب فطرية نظير القوالب التي يملكها الحسّ ، فيصبّ تلك المواد الخامّ في هذه القوالب ، ويبلورها في تلك الإطارات ، فتحصل المعرفة العقلية . وهكذا تكون الأشياء المحسوسة مركّبة من مادّة أدركت بالحسّ ، وصورة زمانية ومكانية أنشأتها الحسّاسية الصورية ، أي : الحسّاسية التي تخلق الصورة الموحّدة للإحساسات المختلفة . وتأتلف الأشياء المعقولة - أيضاً - من مادّة ، وهي : الظواهر التي تصوغها الحسّاسية الصورية في إطار الزمان والمكان ، وصورة ، وهي : القوالب التي ينشأها الفهم الصوري ويوحّد بها تلك الظواهر . ( المؤلّف قدس سره )