تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
أو نكوِّن معنى شيء يختلف عن التصوّرات والانفعالات ، فلنوجّه انتباهنا إلى الخارج ما استطعنا ولتثب مخيلتنا إلى السماوات أو إلى أقاصي الكون ، فلن نخطو أبداً خطوة إلى ما بعد أنفسنا ، ولهذا فلا يمكن أن نجيب على المسألة الأساسية في الفلسفة التي يتصارع عندها المثاليون والواقعيون ، فالمثالية تزعم أنّ الواقع قائم في الشعور والإدراك ، والواقعية تؤكّد على أنّه موجود بصورة موضوعية مستقلّة ، والشكّية ترفض أن تجيب على المسألة ؛ لأنّ الردّ عليها مستحيل ، فلترجأ المسألة إلى الأبد . والواقع : أنّ ( دافيد هيوم ) لم يزد على حجج ( باركلي ) شيئاً ، وإن زاد عليه في الشكّ والعبث بالحقائق ، فلم يقف في شكّيته عند المادّة الخارجية ، بل أطاح بالحقيقتين اللتين احتفظ بهما ( باركلي ) في فلسفته - وهما النفس واللَّه - تمشّياً مع المبدأ الحسّي إلى النهاية ، فقد اتّخذ لذلك نفس أسلوب ( باركلي ) وطريقته ، فكما أنّ الجوهر المادّي لم يكن في رأي ( باركلي ) إلّامجموعة من الظواهر المركّبة تركيباً صناعياً في الذهن ، كذلك النفس ما هي إلّاجملة من الظواهر الباطنية وعلاقاتها ، ولا يمكن إثبات ( الأنا ) - النفس - بالشعور ؛ لأنّني حين أنفذ إلى صميم ما اسمّيه ( أنا ) أقع دائماً على ظاهرة جزئية ، فلو ذابت الإدراكات جميعاً لم يبقَ شيء أستطيع أن اسمّيه ( أنا ) . وفكرة ( اللَّه ) تقوم على مبدأ العلّية ، ولكنّ هذا المبدأ لا يمكن التسليم بصحّته بزعم ( دافيد ) ؛ لأنّ الحسّ لا يطلعنا على ضرورة بين الظواهر والحوادث ، وإنّما ترجع فكرة العلّية إلى مجرّد عادة ، أو إلى لون من ألوان تداعي المعاني . وهكذا بلغ ( دافيد ) بالنظرية الحسّية والمذهب التجريبي إلى ذروتهما التي يؤدّيان إليها طبيعياً ، وبدلًا من أن يبرهن عن هذا الطريق على رفض المبدأ