تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠

5 - أنصار الشكّ الحديث :

ومردّ هذا الشكّ الحديث في الحقيقة إلى مذهب الشكّ القديم الذي اتّخذته المدرسة الشكّية الإغريقية ، وبشّر له ( بيرون ) زاعماً عجز الإنسان عن إعطاء أيّ حكم على الأشياء . وقد نشأت الشكّية الحديثة في ظروف مشابهة للظروف التي اكتنفت تلك المدرسة القديمة وساعدت على إنشائها ، فالشكّية الإغريقية جاءت كحلّ وسط للصراع الذي قام على أشدّه بين السفسطة والفلسفة . فقد كانت السفسطة قد ولدت قبل الشكّية بقرون ، وتمرّدت على جميع الحقائق ، وأنكرت القضايا العلمية والحسّية كافّة ، وقام الفلاسفة في وجهها يظهرون تناقضاتها ، ويكشفون عن انهيارها بين يدي النقد حتّى تضاءلت موجة الإنكار ، فانبثقت عند ذلك فكرة الشكّ التي أعلنت عن ( لاأدريّة ) مطلقة ، وحاولت تبرير ذلك بإظهار تناقضات الحواسّ وتضارب الأفكار الذي يسلب عنها صفة الوثوق العلمي ، فكانت تخفيفاً للسفسطة ، وكذلك الأمر في الشكّية الحديثة ؛ فإنّ أصحابها حاولوا تقديمها كحلّ للتناقض القائم بين المثالية والواقعية ، إن صحّ أن يعتبر الاستسلام إلى الشكّ حلًا لهذا التناقض ، وكانت بسبب ذلك صورة مخفّفة عن المثالية . ولم تعتمد الشكّية الحديثة على إظهار تناقضات الإحساس والإدراك فحسب ، بل على تحليل المعرفة الذي يؤدّي إلى الشكّ في زعمها ، فقد كان ( دافيد هيوم ) الذي بشّر بفلسفة الشكّ على أثر فلسفة ( باركلي ) يرى أنّ التأكّد من القيم الموضوعية للمعرفة البشرية أمر غير ميسور ؛ لأنّ أداة المعرفة البشرية هي الذهن أو الفكر ، ولا يمكن أن يحضر في الذهن سوى إدراكات ، ومن الممتنع أن نتصوّر