الأول : أن أهل اللغة قالوا : إذا كان اسم الفاعل بتقدير الماضي لا يعمل عمل
الفعل ، فلا يقال ضارب زيدا أمس ، كما يقال بتقدير المستقبل ، بل يقال
ضارب زيد ، أطلقوا عليه اسم الفاعل باعتبار ما صدر عنه من الفعل الماضي .
الثاني : أنه لو كان وجود ما منه الاشتقاق شرطا في صحة الاشتقاق حقيقة ، لما
كان إطلاق اسم المتكلم والمخبر حقيقة أصلا ، لان ذلك لا يصح إلا بعد تحقق
الكلام منه والخبر ، وهو إنما يتم بمجموع حروفه وأجزائه ، ولا وجود للحروف
السابقة مع الحرف الأخير أصلا ولا حقا ، بامتناع كونه متكلما حقيقة قبل
وجود الكلام ، فلو لم يكن حقيقة عند آخر جزء من الكلام والخبر مع عدم
وجود الكلام والخبر في تلك الحالة ، لما كان حقيقة أصلا ، وهو ممتنع ، وإلا
لصح أن يقال إنه ليس بمتكلم إذ هو لازم نفي الحقيقة ، ولما حنث من حلف أن
فلانا لم يتكلم حقيقة ، وإنني لا أكلم فلانا حقيقة ، إذا كان قد تكلم أو كلمه .
الثالث : إن الضارب من حصل منه الضرب ، ومن وجد منه الضرب في
الماضي ، يصدق عليه أنه قد حصل منه الضرب فكان ضاربا حقيقة .
ولقائل أن يقول : أما الوجه الأول : فإنه لا يلزم من إطلاق اسم الفاعل
عليه أن يكون حقيقة ، ولهذا فإنهم قالوا : اسم الفاعل ، إذا كان بتقدير المستقبل ،
عمل عمل الفعل . فقيل ضارب زيدا غدا ، وليس ذلك حقيقة بالاتفاق .
وأما الوجه الثاني : فغير لازم أيضا ، إذ للخصم أن يقول : شرط كون المشتق
حقيقة إنما هو وجود ما منه الاشتقاق إن أمكن ، وإلا فوجود آخر جزء منه .
وذلك متحقق في الكلام والخبر بخلاف ما نحن فيه .
وأما الثالث : فلا نسلم أن اسم الضارب حقيقة على من وجد منه الضرب مطلقا ،
بل من الضرب حاصل منه حالة تسميته ضاربا . ثم يلزم تسمية أجلاء الصحابة كفرة ،
لما وجد منهم من الكفر السابق ، والقائم قاعدا ، والقاعد قائما ، لما وجد منه من
القعود والقيام السابق ، وهو غير جائز بإجماع المسلمين وأهل اللسان .
هذا ما عندي في هذه المسألة ، وعليك بالنظر والاعتبار .
الاحكام — صفحة 56
مساهمون: الآمدي
ص٥٦