وعن الخامس : إن الخطاب إذا كان مع الأمة ، كان ذلك حجة في ما وجد من
أمرهم ونهيهم جملة ، وذلك هو المطلوب ، وإن لم يكن ذلك حجة في الافراد .
الآية الرابعة ، قوله تعالى : * ( واعتصموا بحبل الله جميعا ، ولا تفرقوا ) * ( 3 ) آل عمران : 103 )
ووجه الاحتجاج بها ، أنه تعالى نهى عن التفرق ، ومخالفة الاجماع تفرق ،
فكان منهيا عنه . ولا معنى لكون الاجماع حجة سوى النهي عن مخالفته .
فإن قيل : لا نسلم وجود صيغة النهي ، وإن سلمناها ولكن لا نسلم أن النهي يدل
على التحريم ، كما سيأتي تقريره في النواهي ،
سلمنا دلالة النهي على التحريم ، ولكن لا نسلم عموم النهي عن التفرق في كل
شئ ، بل التفرق في الاعتصام بحبل الله ، إذ هو المفهوم من الآية ، ولهذا ، فإنه
لو قال القائل لعبيده : ادخلوا البلد أجمعين ، ، ولا تتفرقوا فإنه يفهم منه النهي عن
التفرق في دخول البلد ، وما لم يعلم أن ما أجمع عليه أهل العصر اعتصام بحبل
الله ، فلا يكون التفرق منهيا عنه .
سلمنا أن النهي عام في كل تفرق ، ولكنه مخصوص بما قبل الاجماع . فإن كل
واحد من المجتهدين مأمور باتباع ما أوجبه ظنه ، وإذا كانت الظنون والآراء
مختلفة ، كان التفرق مأمورا به لا منهيا عنه . والعام بعد التخصيص لا يبقى
حجة على ما سيأتي ،
سلمنا صحة الاحتجاج به ، لكنه خطاب مع الموجودين في زمن النبي عليه
السلام ، فلا يكون متناولا لمن بعدهم . وإجماع الموجودين في زمن النبي غير محج
به في زمانه إجماعا ، ولا تحقق لوجودهم بجملتهم بعد وفاته ، حتى يكون إجماعهم
حجة على ما سبق تقريره .
والجواب : عن السؤال الأول والثاني ، ما سيأتي في النواهي .
وعن الثالث : أن قوله : * ( واعتصموا بحبل الله جميعا ) * ( 3 ) آل عمران : 103 ) أمر بالاعتصام بحبل الله .
وقوله : * ( ولا تفرقوا ) * ( 3 ) آل عمران : 103 ) نهي عن التفرق في كل شئ ، ويجب الحمل عليه ، وإلا
كان النهي عن التفرق في الاعتصام بحبل الله مفيدا لما أفاده الامر بالاعتصام به ،
فكان تأكيدا . والأصل في الكلام التأسيس دون التأكيد .
الاحكام — صفحة 217
مساهمون: الآمدي
ص٢١٧