ولهذا فإن من فعل فعلا ، ولم يجب على غيره مثل فعله ، لا يقال له إنه مخالف في
الفعل ، بتقدير الترك . ولذلك لم تكن الحائض مخالفة بترك الصلاة لغيرها .
وعلى هذا ، فلا يخفى وجوه المخالفة في الترك .
وإذ أتينا على ما أردناه من ذكر المقدمتين ، فلنرجع إلى المقصود من المسائل
المتعلقة بأفعال الرسول ، عليه السلام .
المسألة الأولى
اختلف الأصوليون في أفعال النبي عليه السلام ، هل هي دليل لشرع مثل ذلك
الفعل بالنسبة إلينا ، أم لا ؟
وقبل النظر في الحجاج ، لا بد من تلخيص محل النزاع ، فنقول :
أما ما كان من الافعال الجبلية ، كالقيام والقعود والأكل والشرب ونحوه ،
فلا نزاع في كونه على الإباحة بالنسبة إليه وإلى أمته .
وأما ما سوى ذلك ، مما ثبت كونه من خواصه التي لا يشاركه فيها أحد ، فلا
يدل ذلك على التشريك بيننا وبينه فيه إجماعا . وذلك كاختصاصه بوجوب الضحى
والأضحى والوتر والتهجد بالليل والمشاورة والتخيير لنسائه ، وكاختصاصه بإباحة
الوصال في الصوم ، وصفية المغنم ، والاستبداد بخمس الخمس ، ودخول مكة بغير
إحرام ، والزيادة في النكاح على أربع نسوة ، إلى غير ذلك من خصائصه .
وأما ما عرف كون فعله بيانا لنا ، فهو دليل من غير خلاف ، وذلك
إما بصريح مقاله ، كقوله : صلوا كما رأيتموني أصلي ، وخذوا عني مناسككم
أو بقرائن الأحوال ، وذلك كما إذا ورد لفظ مجمل ، أو عام أريد به الخصوص ،
أو مطلق أريد به التقييد ، ولم يبينه قبل الحاجة إليه ، ثم فعل عند الحاجة فعلا
صالحا للبيان ، فإنه يكون بيانا حتى لا يكون مؤخرا للبيان عن وقت الحاجة ،
وذلك كقطعه يد السارق من الكوع ، بيانا لقوله تعالى : * ( فاقطعوا أيديهما ) * ( 5 ) المائدة : 38 ) وكتيممه
الاحكام — صفحة 173
مساهمون: الآمدي
ص١٧٣