ولجاز أن يصدر عن العبد أفعال محكمة بديعة ، وهو لا يشعر بها ،
ولما انقسم فعله إلى طاعة ومعصية ، لأنه ليس من فعله ،
ولكان الرب تعالى أضر على العبد من إبليس ، حيث إنه خلق فيه الكفر وعاقبه
عليه ، وإبليس داع لا غير .
ولما حسن شكر العبد ولا ذمه على أفعاله ، ولا أمره ولا نهيه ، ولا عقابه ولا ثوابه ،
ولكان الرب تعالى آمرا للعبد بفعل نفسه ، وهو قبيح معدود عند العقلاء من الجهل والحمق ،
ولكان الكفر والايمان من قضاء الله تعالى وقدره ، وهو إما أن يكون حقا أو
باطلا . فإن كان حقا ، فالكفر حق ، وإن كان باطلا ، فالايمان باطل ،
ولكان الرب تعالى إما راضيا به أو غير راض ، والأول يلزم منه الرضى بالكفر ،
والثاني يلزم منه عدم الرضى بالايمان ، والكل محال مخالف للاجماع .
وأما النقل ، فقوله تعالى : * ( وإني لغفار لمن تاب وآمن ، وعمل صالحا ) * ( 20 ) طه : 82 )
وقوله تعالى : * ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات ) * ( 45 ) الجاثية : 21 )
وقول النبي عليه السلام : اعملوا وقاربوا وسددوا وقوله عليه السلام : نية
المؤمن خير من عمله إلى غير ذلك من النصوص الدالة على نسبة العمل إلى العبد ،
والعقلاء متوافقون على إطلاق إضافة الفعل إلى العبد بقولهم : فلان فعل كذا
وكذا . والأصل في الاطلاق الحقيقة .
وأما المسلك الثاني : فهو أن تعلق علم الباري تعالى بالفعل أو بعدمه ، إما أن
يكون موجبا لوجود ما علم وجوده ، وامتناع وجود ما علم عدمه ، أو لا يكون كذلك .
فإن كان الأول ، فليزمه محالات ، وهو أن يكون العلم هو القدرة ، أو أن يستغنى
به عن القدرة ، ولا يكون الرب قادرا على إيجاد شئ أو عدمه ، وأن لا يكون
للرب اختيار ، ولا للعبد في وجود فعل من الافعال لكونه واجبا بالعلم ، أو ممتنعا ،
وإن لم يكن موجبا للوجود ولا للعدم ، فقد بطل الاستدلال ، وإن سلم ذلك ،
لكنه معارض بما سبق من الأدلة العقلية والنقلية .
والجواب عما ذكروه أولا على المسلك الأول بأن الفعل المخلوق للعبد بتقدير
خلقه له مخلوق بجميع أجزائه ، وكل جزء منه مخلوق له بانفراده ، فيجب أن
الاحكام — صفحة 142
مساهمون: الآمدي
ص١٤٢