ملاحظة : اثنان من البراهين التي أتينا على ذكرها ، يستعينان بالحركة . إنّ الحركة لا تدخل نظريّاً في الهندسة الإغريقيّة ، إلّا في ما نَدَر من الحالات « 1 » ؛ وقد طرح إدخالها مسائل أمام الشرّاح ، وخاصّة أمام بروكلوس
( Proclus )
الذي كان لا يرى دوراً لها سوى تأمين تولّدٍ ( متّصلٍ ) لخطٍّ بواسطة نقطة ( إذ لا يسع الخط سوى التشكّل من نقاط ) . ولكنّ الحركة تلعب بالمقابل ، دوراً متنامياً في العناصر الأوّليّة لعلم المساحة التي بدأت بالظهور في القرنين التاسع والعاشر ؛ والحركة هي تؤسِّس اتّصال الخطوط وتؤمّن وجود نقاط تقاطعها ( راجع الأعمال حول الحل الهندسي لمعادلات الدرجة الثالثة ) ؛ وعلى الحركة ، كما رأينا ، تأسّس بنظر ثابت بن قرّة وابن الهيثم ، وجود خطّين مستقيمين تكون المسافات فيما بينهما متساوية ؛ حتى أنّ ابن الهيثم ، اعتبر الحركة ، في مؤلّفه " المعلومات " ، أحد المفاهيم الأوّليّة للهندسة .
2 . الأعمال التي أعقبت مؤلّفات أبولونيوس
أعمال أبولونيوس وخصوصاً مؤلَّف " المخروطات " ، طبعت بعمق ، تطوّر العلوم الرياضيّة في العالم العربي ، بدءاً من القرن التاسع « 2 » ؛ فقد كان أبولونيوس أكثر من ذُكر من الرياضيّين وأكثر من دُرس في الرياضيّات العربيّة ، بعد أقليدس . فقد جرت في بغداد ، في القرن التاسع ، الترجمة ( أو الترجمات ) العربيّة لكتب " المخروطات " السبعة ، بإيعاز من بني موسى ؛ وأسهم فيها هلال بن أبي هلال الحمصي ، وأسهم فيها أيضاً عالم الرياضيّات الكبير ثابت بن قرّة . تسبّبت بهذه الترجمات الأبحاث الهندسيّة الجارية ، وخصوصاً أبحاث بني موسى « 3 » . وقد افتتحت الترجمة العربيّة ل - " المخروطات " تقليداً كاملًا تمثّل بمعاودة الاهتمام بالمسائل المجسّمة - خصوصاً تثليث الزاوية وبناء المسبّع المنتظم « 4 » - ، وبتطبيق القطوع المخروطيّة على مسائل منبثقة من ميادين أخرى كعلم البصريّات ( المرايا المُحرقة والعدسات ) ، وبالحل الهندسي للمعادلات الجبريّة من الدرجة الثالثة ( أعمال الخيّام وشرف الدين الطوسي ) ، أو أيضاً بنظريّة الأسطرلابات ، والمزاول الشمسيّة والبركار التام . وبدورها ، ساعدت هذه التطبيقات على اكتشاف خصائص جديدة لهذه المنحنيات مثل الخصائص المتعلّقة بالبؤرة ( أو المحراق ) ، وبالخطوط المقاربة ، وببعض الخصائص الموضعيّة ، وبالخصائص توافقيّة . وقد قاد هذا الاستخدام للقطوع المخروطيّة ، الذي تخطّى إطار الهندسة الأقليدسيّة ، ووسّع أعمال أبولونيوس ، علماء الرياضيّات وعلى الأخص ابن الهيثم ، إلى خواطر ، على الحدود بين الرياضيّات والفلسفة ، حول طبيعة المنحنيات المقبولة في الهندسة ، وحول التمييز بين الوجود وإمكانيّة البناء .
2 - 1 . تجدّد المسائل المجسّمة
منذ بداية القرن التاسع للميلاد ، أثارت المسائل المجسّمة اهتمام علماء الرياضيّات من العالم العربي .
هامش
( 1 ) - الاستثناءات النادرة التي نجد عند أقليدس هي :
في " الأصول " ، برهان الحالتين الأولى والثانية للمساواة بين المثلّثات ( بالتطابق ) ، وتحديد الكرة ؛ في " المعطيات " ، برهان القضيّة 26 ( إذا كان طرفا الخط المستقيم معطَيَين بالوضع ، يكون الخطّ المستقيم معطىً بالوضع وبالمقدار ) .
( 2 ) - راجع :P . Abgrall et H . Bellosta ,«Geometria delle coniche , luoghi , contatti e costruzioni», Storia della scienza , ed . Sandro Petruccioli , Roma , Instituto della Enciclopedia Italiana , 10 vol . , 2001 - , vol . III , 2002 , La Civilta islamica ( 1500 pages ) ed . R . Rashed , R . Morelon , U . Weisserpp . 402 - 423 .( 3 ) - أنظر مقال ر . راشد في هذا الكتاب ، حول انتقال العلم اليونانيّ إلى العربيّة وراجع أيضاً :R . Rashed , M . Decorps et H . Bellosta , Apollonius de Perge ,ئuvres completes grec , arabe et franais ( De Gruyter , a paraگtre ) .( 4 ) - راجع ر . راشد ،R . Rashed , Les mathematiques infinitesimales du ixe au xie siecle , vol . III , Ibn al - Haytham : Theorie des coniques , constructions geometriques et geometrie pratique , al - Furqوn , Londres , 2000 .