قدمها عن صقلية ما ينم عن وجود روح التعصب ، باستثناء الشعور الذي كان يخالج نفس كل مسلم من جراء ما آلت إليه أوضاع الجزيرة بعد انتهاء الحكم الإسلامي فيها ، وهذا شيء طبيعي ، ولكن ذلك لم يؤثر على أحكامه العامة .
وعلى كل حال ، سنحاول من خلال نصوص رحلته مستعينين بنوازل الونشريسي أن نقدم صورة ولو تقريبية عن وضعية الأقليات المسلمة في جزيرة صقلية ومدى حريتهم في ممارسة شعائرهم الدينية .
إن نصوص ابن جبير تحمل بين طياتها ما يشير أحيانا إلى التسامح الذي حظيت به الطوائف الإسلامية في جزيرة صقلية ، بينما تحمل أحيانا أخرى ما يشير إلى ما لاقوه من تعصب وعنت ، وبين هذين الموقفين يأتي تناقض أقوال الرحالة الأندلسي . فعن الحالة الأولى التي تشير إلى التسامح ، يذكر ابن جبير وهو بصدد الحديث عن مسلمي بالرمو أنهم « يعمرون أكثر مساجدهم ، ويقيمون الصلاة بأذان مسموع » ، وهو ما يعني أنهم لم يكونوا يمارسون شعائر عبادتهم خفية ، بل يذكر أنهم كانوا يصلون الأعياد بخطبة يدعون فيها للخليفة العباسي « 1 » .
ويبدو أن المساجد كانت مفتوحة لكل من يرغب في قصدها ، وكان ابن جبير نفسه عند مغادرته مدينة ثرمة قد بات في أحد مساجدها فوصفه بأنه « من أحسن مساجد الدنيا بها . . . مفروش بحصر نظيفة لم ير أحسن منها صنعة ، وقد علق فيه نحو الأربعين قنديلا من أنواع الصفر والزجاج » . ويذكر أنه كان له إمام يصلي بهم الفريضة والتراويح خلال شهر رمضان ، وأنه كان يسمع الآذان جهارا « 2 » .
وبالمثل انتشرت المساجد في مدينة علقمة كذلك « 3 » ، بل إنها وجدت إلى جانب الكنائس في مدينة أطرابنش « 4 » . وفي صورة معبرة عن التسامح ، يذكر ابن جبير أنه صلّى صلاة العيد في أحد مساجد هذه المدينة ، ولما انتهت الصلاة خرج المسلمون وهم يضربون الطبول والبوقات ، وهو أمر أدى إلى اندهاش ابن جبير من هذا التسامح ، وعدم اعتراض حكام المدينة أو عامة الناس لهم ، فعبّر عن ذلك بقوله : « فعجبنا من ذلك ومن إغضاء النصارى لهم عليه » « 5 » .
ومما ينم عن روح التسامح كذلك أنه عندما ضرب زلزال مدينة بالرمة ، أخذ المسلمون في قصر غليام يذكرون الله ويسبحون بحمده ليحفظهم من الكارثة ، سمعهم غليام ، فكان جوابه يعكس روحه المتسامحة إذ خاطبهم بقوله : « ليذكر كل أحد معبوده ومن يدين به » « 6 » .
إن هذه النصوص تثبت مناخ التسامح الديني الذي ساد بين أوساط الطوائف الإسلامية في مدن جزيرة صقلية ، لكن نصوصا أخرى تعاكس هذا الطرح ، بل إن الباحث يجد الحالة العكسية في ثنايا النصوص الدالة على التسامح .
لقد وصف ابن جبير فتيان وجواري قصر غليام بأن « أكثرهم كاتم إيمانه » « 7 » ، وعندما تحدث عن لقائه بأحد هؤلاء الفتيان أشار إلى أنه لم يبح له بسرّ إسلامه حتى اتخذ كافة الاحتياطات حتى لا يلحظه أو يسمعه أحد من عيون الملك غليام . وكان من جملة ما نقله على لسان هذا الفتى قوله : « ونحن كاتمون إيماننا ، خائفون على أنفسنا ، متمسكون بعبادة الله وأداء فرائضه سرا » « 8 » ، وهو ما يدعمه قول
هامش
( 1 ) نفسه ، ص 273 .
( 2 ) رحلة ، ص 271 .
( 3 ) نفسه ، ص 274 .
( 4 ) نفسه ، ص 275 .
( 5 ) نفسه ، ص 276 .
( 6 ) نفسه ، ص 268 .
( 7 ) نفسه ، ص 267 .
( 8 ) نفسه ، ص 268 .