البيوتات الثرية في جزيرة صقلية . ومع أنه ورث أموالًا كثيرة كان ينفقها في افتداء الأسرى وإعانة الغرباء والمنقطعين من الحجاج . إلا أن وضعيته كانت قد تغيرت إبان زيارة ابن جبير لصقلية حيث صودرت منه هذه الأموال نتيجة سعاية قام بها أعداؤه لدى حاكم صقلية واتهامه بصلته وتحالفه مع الموحدين « 1 » .
من ناحية أخرى تكشف رحلة ابن جبير عن وجود قاض مسلم يحكم بين مسلمي صقلية في ما كان يشجر بينهم من خلافات ، مما يعكس بعض الحقوق التي حصلوا عليها في ظل الحكم النورماني . وقد ورد في نوازل الونشريسي ما يلقي الضوء حول هذه المسألة إذ سئل أحد الفقهاء « 2 » « عن أحكام تأتي من صقلية من عند قاضيها أو شهود عدول هل يقبل ذلك أم لا مع أنها ضرورة ، ولا تدرى إقامتهم هناك تحت أهل الكفر هل هي اضطرار أم اختيار ؟ » « 3 » .
وإذا كنا لا نجد في الجواب عن النازلة ما يسد الثغرة التي تركها نص ابن جبير ، فإننا نعرف على الأقل اجتهاد الفقيه المازري في هذه الناحية ، وهو أن القاضي المسلم إذا ولاه حاكم كافر - كما في صقلية - لتولي قضاء الأقلية المسلمة « فهذا لا يقدح في حكمه وتنفيذ أحكامه كما لو ولاه سلطان مسلم » « 4 » وهو ما يعني أن مسألة الأحكام بين المسلمين لا يمكن أن يتولاها إلا قاض مسلم في أرض الكفر ، وأن الفقهاء أجازوا مسألة تعيينه من طرف الحاكم المسيحي ، غير أنهم اشترطوا عدالة هذا القاضي ، وهو ما يفهم من النازلة التي أوردها الونشريسي حول « التوقف - وتعني هنا التريث - في قبول شهادة ثبت عند قاضي صقلية الذي ولاه الرومي » ، وأكد أن هذه الشهادة لا تقبل إلا إذا ثبتت عدالة القاضي المذكور « 5 » .
ومما يدعم أن القاضي الذي كان يحكم بين مسلمي صقلية كان رجلا مسلما يعينه الحاكم النصراني ، نص آخر أورده ابن جبير نفسه بكيفية عفوية عندما كان يتحدث عن صلاة العيد في أحد مساجد أطرابنش أنه « خرج أهل البلد إلى مصلاهم مع صاحب أحكامهم وانصرفوا بالطبول والبوقات » « 6 » ، ولعلّ هذا الخروج الرسمي ينهض دليلا على أنه كان معينا من طرف حاكم صقلية أو حاكم المدينة نفسها .
من جهة أخرى ، يمدنا الرحالة ابن جبير بتفاصيل هامة حول الأقلية المسلمة التي كانت تشتغل في قصر الملك غليام ببلرمو ، والمتكونة من الفتيان والجواري وخدام القصر . وبإلقاء نظرة على ما يورده حول هذا الموضوع يتضح أن مهن المسلمين ومهماتهم داخل القصر كانت تتمثل في :
-
وزراء وحجاب . -
فتيان وجواري . -
عبيد . -
مسؤولون عن مطبخ البلاط . وحسب شهادته ، فإنهم كلهم أو معظمهم كانوا متمسكين بشريعة الإسلام ، وأن الملك كان كثير الثقة
هامش
( 1 ) رحلة ، ص 280 .
( 2 ) هو الفقيه المازري الذي عاش في القرن 5 ه - فهو قريب من عهد ابن جبير .
( 3 ) نوازل الونشريسي ، ج 10 ، ص 107 .
( 4 ) نوازل الونشريسي ج 10 ، ص 108 - 109 .
( 5 ) نفسه ، ص 113 .
( 6 ) رحلة ، ص 276 .