بهم « 1 » . وقد نقل لنا من خلال حوار أجراه مع أحد خدام القصر أن كل الجواري كنّ مسلمات ، وأن الجواري الإفرنجيات كن يسلمن على أيديهن . أما فتيان القصر الذين هم ركائز دولته ، فكانوا أيضا متشبثين بأهداب الإسلام ويزيدون عن ذلك بالصيام تطوعا ، والقيام بأعمال الخير وافتكاك الأسرى ورعاية الأيتام وتزويجهم ، ناهيك عن المحافظة على صلواتهم وأدائها في أوقاتها خفية ، حتى لا يلحقهم أي ضرر .
ومن خلال حوار آخر أجراه ابن جبير مع فتى آخر من فتيان القصر المسلمين تتضح روح التدين لدى هؤلاء وتمسكهم بتعاليم الإسلام ، إذ سأله أحد مخاطبيه عن الحج والكعبة وأبدى تشوقه لزيارة الديار المقدسة . ويصفه ابن جبير بأنه كان شغوفا بالتبرك بالحجاج والتقاط دعائهم والاغتباط بما يتلقونه منهم من تحف المشاهد المقدسة « 2 » .
ومن القرائن التي تثبت تمسك الجالية المسلمة بتقاليدها وبشريعة الإسلام ما ذكره نفس الرحالة عن حرص مسلمي مدينة بالرمو على صيام شهر رمضان وعدم الإفطار إلا بعد رؤية هلال شوال ؛ فعندما تثبت شهادة رؤيته يرفع الخبر إلى حاكم المدينة « 3 » . بيد أن عدم رؤيته أحيانا بسبب الغيوم وأحوال الطقس المضطربة ، طرحت إشكالا فقهيا تعرضت له بعض النوازل حول موضوع الزيادة في أيام الصوم ، من ذلك نص نازلة وردت عند الونشريسي عن سؤال حول : هل يصح « زيادة يوم في الصوم ، وكذا سمعنا أنه وقع في صقلية » « 4 » .
وإذا كانت الروح الدينية تغلب على سلوك الأقليات المسلمة في مختلف مدن جزيرة صقلية ، فهل كانت لديهم حرية ممارسة شعائرهم ؟ وهل كانوا ينعمون بروح التسامح ؟
الأقلية المسلمة في صقلية ومسألة التسامح :
رغم أن أحكام ابن جبير في مسألة التسامح والحكم على " الآخر " ، يجب أن تأخذ على أساس أن صاحب النص مسلم وأنه قام برحلته في أوج الصراع بين " دار الإسلام " و " دار الحرب " في سياق ما يعرف بالحروب الصليبية التي أججت الحقد بين المسلمين والمسيحيين ، فإن ثمة مؤشرات تدل على أن ابن جبير لم يخضع لتعصب أعمى ، وأن موضوعيته لم تكن أحيانا موضع شك .
من هذه المؤشرات ما أفصح عنه من موقف إيجابي تجاه ملك صقلية غليام ، حيث أبرز حسناته ، واعترف بدوره الكبير في إنقاذ المركب الذي كان يقله مع مجموعة من الراكبين ، وإكرامه للفقراء منهم لتمكينهم من أداء ثمن إنقاذهم من هول الصاعقة لربابنة المركب ، وقد لخص الدور الذي قام به تجاههم في العبارة التالية : « ومن جملة صنع الله عز وجل لنا ولطفه بنا في هذه الحادثة كون هذا الملك الرومي كان حاضرا فيها » . كما وصف قصر هذا الملك واعتناءه بالأطباء والمنجمين وأهل القدر ما ينم عن موضوعيته « 5 » . وبالمثل أشار في مواضع عديدة إلى المساجد ، واعترف بأنه سمع بنفسه الآذان وهو في مدينة ثرمة كما سنذكر في حينه ، وهذا دليل يشهد على موضوعيته . ولا نلمس في ثنايا أوصافه التي
هامش
( 1 ) رحلة ، ص 267 .
( 2 ) نفسه ، ص 268 - 269 .
( 3 ) نفسه ، ص 276 .
( 4 ) المعيار ، ج 1 ، ص 421 .
( 5 ) رحلة ، ص 265 - 268 .