وبسراياه مرات ، فيزهق من أرواحها ما يزهق ويغنم من أموالها
ما يغنم ، ويعود إلى ( مدينته ) المنورة منصورا موفورا . كانت
قريش تحاربه على تسفيه أحلامها في ظاهر الأمر ، وهي اليوم
تحاربه ثأرا لأموالها ودمائها ونفوذها في ظاهر الأمر وباطنه معا .
واليهود من جيرانه في مهجره وأصحاب الأطيان والصنائع
فيه ، يطلبونه بإجلاء بني قينقاع وإجلاء بني النضير عن
المدينة ، وهم ما هم مكانة بين اليهود ، ورسوخا في أرض تلك
الربوع وثرواتها . رأوا به يوم هاجر إلى بلدهم خطرا على
نفوذهم ، فحاولوا الفتنة ، وأخذتهم كبرياء المال ، وظنوا أن
حظهم من المعرفة يسندهم في حربهم محمدا ، وأن لهم من
الرسوخ في بلدهم ، والنفوذ والانتشار في ضواحيه ، قوة لا
يملكها محمد اللاجئ إلى بعض مواطنيهم ، الفار من أهله
ولما يسلم على حياته ، هذا كله أغراهم بالنبي وبالمسلمين ،
وما كان للنبي أن يقر اعتداء يهود ، أو يذعن لتحكمات
متحكم ، فإنه إن يقر أو يذعن حكم - إذن - على دعوته
بالفشل ، وكتب على نفسه الهزيمة ، ولم يكن له - إذن من
القوة المعنوية نصيب يثبت أقدام أصحابه في ميدان . لذلك
أنذر بني قينقاع أولا ، وأنذر بني النضير بعد ذلك ، وكان من
نتائج استخفاف هؤلاء وأولئك إجلاؤهم جميعا أذلاء صاغرين
عن ( المدينة ) لا ينقلون منها غير سلامة أبدانهم ، وقليلا من
متاع لا يزيد على زاد الطريق من ( المدينة ) إلى ( خيبر ) من
الحجاز ، أو إلى ( أذرعات ) من الشام .
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 84
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٨٤