ووجهات نظر صائبة هي جزء من منهج علي في المحافظة
على سلامة المعارضة في الدولة ، وحفظ مصلحة الإسلام
العليا بسماحة لا تضيق على الناس ولا تحرجهم .
ولكن هذه النظرة الواقعية الحكيمة التاث أمرها على
الناس ، والتبس في أفهامهم ، وأحدث من إباحة دماء أصحاب
الجمل وحرمة أموالهم ونسائهم مشكلة فقهية لم يدروا ما
حلها ، ويسمع عمار لغطا يدور على الألسنة في هذا
الموضوع ، أما هو فيعرف الحل في أغلب الظن ، وقد سمعنا
آنفا من فقهه في حديثه مع محمد بن مسلمة الأنصاري ما لا
يترك مجالا للشك في اتهام معرفته ، ولكنه أراد أن يكون علي
هو الذي يحل هذه المشكلة فقال له : يا أمير المؤمنين ، مر
بقتل هؤلاء الأسرى من أعوان الجمل . فقال له أمير المؤمنين :
أنا لا أقتل أهل القبلة ، وعمار يعرف الفرق - كما علمت - بين
( المسلم ) الهاضم لمبادئ الإسلام ، وبين المصلي القلقة في
صلاته هذه المبادئ ، وربما لم يكن حتى تلك اللحظة ممن
يعطفون على المصلين القلقين ، إلا أنه اكتفى لنفسه بما سمع
في فقه لا شك بصوابه ، واكتفى لغيره بإعلان الحل من
مصدره الذي يجب أن ينتهي إليه ، ولكن قوما حظهم من
المعرفة أقل من حظ عمار لم يكتفوا بالفتيا ، فشرح علي لهم
حكمتها ولكن عسر عليهم هضمها ، ولم تسهل عليهم متابعة
تحليله في الجواب ، فلجأ إلى مجاراتهم ليجعل من الواقع
المحسوس وسيلة جواب مقنع . قال لهم : اقترعوا . هاتوا
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 230
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٢٣٠