لأبي بكر يدا بتقصير مدة امتناع علي فمدها ستة أشهر ، مر
منها شهران ونصف شهر - هي مدة بقاء الزهراء بعد أبيها -
أصعب ما يمر على حكم من أيام شداد ، وأزمات عاصفة ،
ذلك أن الزهراء كانت عليها السلام تدير معارضة ما ندري لو
طال بها العمر أكانت تثبت لها حكومة أبي بكر أم لا ، ثم
مضى علي بعد وفاة الزهراء غضبى على العمرين ، ممتنعا عن
البيعة غير معارض ، إلا أن امتناعه وامتناع آله وأصحابه معه
كان يجرح بيعة أبي بكر ، ويتهم شرعيتها في العالم الإسلامي
كله .
ولا تقف غلطة أبي حفص هذه عند هذا الحد ، بل تزيد
فتؤسس من تلك الأحزاب التي لم تكن لها أشكال ولا ألوان
ولا خطط ثابتة أحزابا ذات تضحيات تدفعها للعمل والنشاط ،
وليت الأمر عني بهذا القدر من تنظيم الأحزاب وبث روح ،
النشاط فيها لخير الدولة ، إنه آنذاك يكون موقفا إلى كثير من
الصواب ، ولكن أمر غلطته المستوحاة من اندفاعة حماسية آنية
سطحية ، فسحت المجال واسعا أمام أحزاب ضارة تكيد
للإسلام ، وتسعى إلى مصالحها الخاصة ، ثم كان من نتائج
هذه الغلطة أن تورط عمر نفسه ، واضطر بحكم المنافسة التي
أنماها الزحام أن يتبنى أحزابا وأفرادا من غير حزبه لا صلة
برأيه ولا بطريقته ، ليمسك - إذ يتبناهم - بزمام التوازن أو
ليمضي في عداوة الحزب العلوي . وجرته هذه الغلطة آخر الأمر
إلى السير باتجاه الدكتاتورية البعيدة عن روح الإسلام سيرا
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 144
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص١٤٤