اتجاهين مختلفين في تفسير حركة التاريخ ، هل هي بفعل الهي مباشر مرسوم منذ الأزل ، أم هي نتاج قوانين تاريخية وضع الله الخلق والأشياء بحسب مقتضياتها ؟
فأمام مثل قوله تعالى : ( كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى ) « 1 » ، هل نحن أمام إرادة إلهية سمحت بظهور الطغيان ، ثم أنزلت العذاب مجسداً في صورة قوانين الطبيعة ؟ أم نحن أمام علاقة فلسفية اجتماعية بين الطغيان ومظاهره المتعددة ، بين الهلاك وأسبابه المختلفة ؟
وإزاء مثل قوله تعالى : ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ) « 2 » ، هل نحن أمام تخطيط مسبق سمح للباطل بالظهور ، أو خلقه مباشرة بحسب الجبرية الخالصة ، ثم أنشأ الحقّ وقذف به الباطل فدمره ؟
أم نحن أمام سنة تاريخية تتحدث عن صراع الحق والباطل ، فحيث ما استشرى الباطل بأي من مصاديقه ، تسبب في ردة فعل تأتي بالحق ، يخوض معه صراعاً تاريخياً ، تكون فيه النتيجة النهائية في غلبة الحق واندحار الباطل ؟
وبعبارة أخرى هل أحداث التاريخ مقودة لعلة غائية بعيدة ، هي التي تستدعي حدوثها وتحدد وجهاتها سلفاً ، أم أنّ لهذه الأحداث عللا قريبة
هامش
( 1 ) سورة طه : 81 / 20 .
( 2 ) سورة الأنبياء : 18 / 21 .